ترامب على متن “جورج واشنطن”.. خطاب القوة ورسائل التحول الاستراتيجي نحو الشرق

بقلم/ مصطفى جواد..
زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى اليابان، وإلقاؤه خطاباً من على متن حاملة الطائرات جورج واشنطن، لم تكن حدثاً عابراً في أجندة السياسة الأمريكية، بل لحظة مقصودة لتثبيت مشهد رمزي يعيد تعريف أولويات القوة في عالم يتغير بسرعة.
ترامب، الذي التقى رئيسة الوزراء اليابانية سَنائي تاكائتشي، حرص على أن تكون زيارته مزيجاً من الرسالة السياسية والعرض العسكري. فحين يتحدث رئيس الولايات المتحدة من على متن حاملة طائرات، فهو لا يخاطب اليابان وحدها، بل يوجّه حديثه إلى بكين، وموسكو، وحتى إلى العواصم الشرق أوسطية التي تراقب مسار التحولات الأمريكية بقلق وحذر.
في جوهر الجولة، بدا واضحاً أن واشنطن تعيد بناء تحالفاتها في آسيا على أسس اقتصادية وأمنية جديدة، عنوانها “التحرر من التبعية للصين”. توقيع اتفاق حول المعادن النادرة بين الولايات المتحدة واليابان ليس مجرد خطوة تجارية، بل جزء من هندسة جديدة لسلاسل الإمداد العالمية تهدف إلى تجريد بكين من أدوات نفوذها الصناعي.
لكن المفارقة أن هذا التحرك الآسيوي يحمل انعكاساته المباشرة على الشرق الأدنى، حيث يُفهم توسع الحضور الأمريكي في آسيا كتحويلٍ للثقل الاستراتيجي بعيداً عن الشرق الأوسط. بعض العواصم العربية الحليفة لواشنطن تخشى أن يكون هذا التحول على حسابها، في وقتٍ تتزايد فيه التحديات الأمنية الإقليمية، بينما ترى قوى أخرى، كإيران، فرصة لإعادة ترتيب أوراقها في ظل انشغال واشنطن بمنافسة بكين.
أما الصين، فقرأت المشهد بعيون حذرة. خطاب ترامب فوق حاملة طائرات قبالة سواحلها هو استعراض متعمد للقوة البحرية الأمريكية في “الفناء الخلفي” لآسيا. وفي المقابل، قد تدفع هذه الإشارات بكين إلى تسريع تحالفاتها مع روسيا وإيران، وربما إلى توسيع انخراطها الاقتصادي والسياسي في الشرق الأوسط لتعويض المساحات التي تضيق حولها في المحيط الهادئ.
في المحصلة، يبدو أن جولة ترامب الآسيوية ليست مجرد زيارة تقليدية، بل إعلان عن عودة “سياسة العرض من البحر” التي تحمل في طياتها رسالة مزدوجة: واشنطن حاضرة في كل مسرح من مسارح العالم، ولكنّ أولويتها الآن تتجه شرقاً.



