الخليل بين الانقسام والاحتلال.. من اعتقال أبو سنينة إلى مشروع الإمارة

بقلم: د. معن علي المقابلة..
في فجر الثاني من أيلول 2025، اقتحمت قوات الاحتلال الصهيوني منزل رئيس بلدية الخليل، تيسير أبو سنينة، واعتقلته بعد أن أحدثت أضرارًا في ممتلكاته، في مشهد يعبّر عن استهداف مباشر لمؤسسة منتخبة تمثل أكبر مدن الضفة الغربية وأكثرها تعقيدًا من حيث التداخل مع المستوطنين. هذا الاعتقال لم يكن حدثًا معزولًا، بل جاء في سياق صراع داخلي محتدم عاشته بلدية الخليل خلال الأشهر الأخيرة، وألقى الضوء على التناقضات الفلسطينية الداخلية التي يستفيد منها الاحتلال لتعزيز مشروعه في المدينة.
تيسير أبو سنينة، المناضل الذي أفرج عنه في صفقة تبادل الأسرى عام 1983 بعد مشاركته في عملية “الدبويا”، عام 1980 التي قتل فيها ستة صهاينة في الخليل، خاض الانتخابات البلدية أكثر من مرة. ورغم كونه قياديًا تاريخيًا في حركة “فتح”، إلا أنّه في الانتخابات الأخيرة ترشّح عبر قائمة مستقلة جمعت طيفًا واسعًا من القوى، ما أدى إلى فصله من الحركة عام 2022. منذ ذلك الحين، واجه أبو سنينة معارضة شرسة من داخل “فتح” في الخليل.
وتجلّى هذا الصراع مؤخرًا في استقالة ستة أعضاء من كتلة الحركة داخل المجلس البلدي، الذين برروا خطوتهم بـ”فشل الإدارة”، بينما ردّ أبو سنينة بالقول إن ما جرى “مساومة وابتزاز سياسي” يستهدف إضعاف البلدية وشلّ عملها. هذا الانقسام المحلي عكس أزمة أوسع داخل حركة فتح نفسها، إذ باتت الخلافات بين تياراتها المختلفة تنعكس على مؤسسات منتخبة، وتحوّلها إلى ساحة تصفية حسابات.
في اللحظة التي كان فيها مجلس بلدية الخليل يعاني الشلل بفعل الاستقالات والانقسامات، جاء اعتقال الاحتلال لرئيس البلدية تيسير أبو سنينة ليكشف كيف يوظّف هذا الواقع لصالح مشاريعه. فالخليل، التي تضم أكثر من 200 ألف فلسطيني مقابل بضع مئات من المستوطنين تحت حماية جيش الاحتلال، تُستحضر فيها اليوم تجربة “روابط القرى” التي حاولت إسرائيل في الثمانينيات من خلالها فرض قيادات محلية عبر انتخابات مصطنعة مقابل خدمات محدودة، لتكريس التبعية للاحتلال. واليوم يعيد مشروع ما يسمى بـ”إمارة الخليل” الذي دعا إليه الجعبري إنتاج الفكرة ذاتها، لكن بواجهة أكثر خطورة: سلطات مناطقية متعاقدة مع الاحتلال تنشأ على أنقاض البلديات الفلسطينية. ومن هنا، يصبح تفكيك البنية الوطنية للبلديات وإضعافها شرطًا أساسيًا لتمهيد الطريق أمام تلك الإمارة الموهومة.
استهداف رئيس بلدية الخليل في ظل هذا الضعف الداخلي لا يمكن قراءته إلا في إطار محاولة الاحتلال تعميق تفكك المؤسسات الفلسطينية وإضعاف قدرتها على إدارة شؤون الناس. وهكذا تتحول الخلافات الفتحاوية الداخلية إلى مكاسب صافية للمشروع الاستيطاني. صحيح أن السلطة الفلسطينية لم تعلن رسميًا موقفًا ضد أبو سنينة، لكن غياب الدعم السياسي الواضح له في مواجهة هذه الأزمة، وتخلّي جزء من حركة فتح عنه، يضع علامات استفهام حول دور السلطة في حماية مؤسساتها المنتخبة. بل إن بعض المراقبين يرون أن الصمت أو التواطؤ الضمني من بعض الأطراف يعكس حالة من العجز، وربما الرغبة في إقصاء شخصية مثيرة للجدل لم تعد منضبطة للإطار التنظيمي التقليدي للحركة. هذا الموقف ـ أو غيابه ـ يرسل رسالة خطيرة: حين تعجز السلطة عن حماية رئيس بلدية منتخب أو على الأقل الدفاع عنه، فهي تسهّل عمليًا مهمة الاحتلال في فرض وقائع جديدة على الأرض.
الخليل لم تكن يومًا مدينة عادية في الجغرافيا السياسية الفلسطينية. فهي الأكبر مساحة وسكانًا في الضفة الغربية، وتضم الحرم الإبراهيمي الذي تحوّل إلى رمز للصراع الديني والسياسي. لذلك فإن السيطرة على إدارتها البلدية أو إضعافها يعني الكثير بالنسبة للاحتلال الذي يسعى لترسيخ “إمارة” المستوطنين في قلب المدينة. من هنا، يصبح الصراع الفلسطيني–الفلسطيني حول رئاسة البلدية هدية مجانية للاحتلال، تتيح له ضرب مؤسسات المدينة من الداخل، بينما ينشغل الفرقاء بتبادل الاتهامات. اعتقال تيسير أبو سنينة ليس مجرد استهداف لشخصية مناضلة أو رئيس بلدية، بل هو رسالة إسرائيلية بأن الخليل ستبقى تحت السيطرة المباشرة للمستوطنين والجيش، وأن أي فراغ أو انقسام فلسطيني سيُملأ بالقوة الإسرائيلية. في المقابل، يطرح المشهد تساؤلًا وجوديًا أمام السلطة والفصائل: هل يمكن مواجهة الاحتلال في ظل استمرار الصراعات الداخلية؟ أم أن الاحتلال سيبقى الرابح الوحيد من معارك الفلسطينيين ضد بعضهم البعض؟



