اراء

حيّاً أو شهيداً.. المُلثم أكبر من اغتيال وأفصح من صمت العالم

بقلم: د. أميرة فؤاد النحال..

لم يعد السؤال يُقاس بالجسد: هل ارتقى أبو عبيدة أم بقي خلف قناعه؟ فالمُلثَّم صار أكبر من جسد، وأفصح من رصاص، وأصدق من كل صمتٍ يتواطأ مع الجريمة، فمنذ عامين وهو يستصرخ أمة نامت خلف جدار الصمت، يفضح خذلانها بجرس صوته أكثر مما يفضح الاحتلال ببياناته، الاغتيال هنا ليس استهدافاً لرجل، بل محاولة يائسة لاغتيال ذاكرة المقاومة الناطقة، وكسر بوصلة الوعي التي لا يملك العدو أن يطفئها، وبين صمت العالم الحقير وصوت المُلثَّم، تتحدد معركة الرمزية: هل يظل العالم في تواطؤه بالصمت، أم تبقى رسائل أبو عبيدة حيّة -حيّاً كان أو شهيداً- لتكشف أن الرمز لا يُغتال.

لقد أصبح المُلثَّم تجسيداً لذاكرة المقاومة الناطقة؛ ذاكرة لا تُختزل في قائد أو متحدث، بل في صوتٍ جمعيّ يعيد تعريف البطولة في زمن الانكسارات، ومن هنا لم يعد أبو عبيدة مجرد شخص، بل أيقونة رمزية تُربك العدو، وتلهم الأمة، وتؤكد أن الرمز أكبر من الجسد، وأن القناع أصدق من آلاف الوجوه المكشوفة التي خانت قضيتها.

إن أخطر أشكال القتل ليست تلك التي تقع في ساحات الاشتباك، بل تلك التي تستهدف الوعي الجمعي عبر تفكيك الرموز وإرباك الذاكرة الشعبية، فالاحتلال يمارس ما يمكن تسميته باغتيال الوعي الجمعي؛ إذ يحاول أن يزرع الشكوك في صدقية الرمز، وأن يحوّل القناع من مصدر إلهام إلى سؤال وجودي، لكن ما يغيب عن وعيه أن الرمز لا يُعرَّف بالجسد، بل بما يتركه من أثر في المخيال الجماعي، وما يرسّخه من يقين أن المقاومة أعلى من الاغتيال وأبقى من صمت العالم.

إن الاغتيال هنا ليس دليل قوة بل علامة عجز؛ عجز جيش يملك أحدث ترسانة في العالم لكنه يرتجف أمام خطاب صوتي يزلزل قواعده الداخلية، ويقلب معادلاته السياسية والإعلامية، لهذا يحاول الاحتلال أن يحقّق في حرب الرموز ما فشل في تحقيقه في حرب الميدان، ناسياً أن المُلثَّم قد تحوّل إلى بوصلة وعي تتوارثها الأجيال ، وأن الوعي المقاوم لا يُغتال بالصواريخ، بل يشتد ويتمدّد من رحم التهديدات والاغتيالات.

منذ عامين يطرق المُلثَّم أبواب الأمة بصوته، يرفع نداءه عالياً في وجه التخاذل، لكن ما واجهه كان جداراً كثيفاً من الصمت؛ صمتٌ لم يكن بروداً عابراً بل حالةً مُمنهجة تُشرعن للخذلان، فبينما كان الاحتلال يحشد آلته الحربية في الميدان، كانت الأمة -دولاً وشعوباً- تعيد إنتاج خطاب العجز نفسه، متكئة على وهم الانتظار ومُعلّقة استحقاق النصرة على شماعة العجز السياسي.

العالم الغربي مارس التواطؤ بالصمت؛ إذ اعتبر أن التزام الصمت يضمن بقاء مصالحه مع الاحتلال، متجاهلاً أن هذا الصمت يُترجم عملياً إلى غطاء سياسي لجرائم الإبادة، أما العالم العربي فقد مارس الخذلان بالصمت؛ حيث تحوّل الصمت إلى أداة تنصّل من الواجب، وإلى شكل من أشكال الاصطفاف الضمني مع الجريمة، وبذلك لم يعد الصمت خياراً محايداً، بل صار سلاحاً بارداً يُستخدم لقتل الضحية مرتين: مرة بالقصف، ومرة بتجاهل النداء.

إن أخطر ما يواجه الأمة ليس فقط عدواً يملك ترسانة دمار، بل أمةٌ تصمت حتى عن صوتها، وتكتفي بمراقبة المذبحة عبر شاشات الأخبار، ولعلّ المفارقة أن أبا عبيدة المُلثَّم الذي أخفى وجهه، هو الوحيد الذي صار مرآة تكشف الوجوه السافرة للخذلان؛ إذ وحده بصوته أفصح من آلاف السياسيين الذين نزعوا أقنعتهم ليقفوا في صف الجريمة.

في معادلة التحرير لا يُقاس حضور القادة بعدد إطلالاتهم، بل بقدرتهم على ترك أثر يتجاوز زمنهم وأجسادهم، وأبو عبيدة سواء كان حاضراً في الساحة أو قد ارتقى، أثبت أن الأثر الرمزي لا يُغتال؛ فالمُلثَّم لم يعد مجرد صوت عابر، بل تحوّل إلى بوصلة وعي توجه إدراك الأمة نحو عدوها، وتعيد تذكيرها بحقيقة المواجهة: شعب محاصر في معركة وجودية ضد مشروع استعماري مدعوم من قوى كبرى.

إن الدرس الأعمق الذي يجهله العدو أن المقاومة لا تختزل في شخص، بل في رسالة متجددة؛ فإذا اغتيل الجسد، تولّد الرمز، وإذا استُهدِف الصوت، تكاثر الصدى، بهذا المعنى فإن أبا عبيدة لم يعد ملك ذاته، بل صار ذاكرة جمعية ورافعة وعي، تضمن أن يبقى الاحتلال في حالة ارتباك دائم، وأن تبقى الأمة -مهما طال صمتها- أمام مرآة قاسية تكشف عجزها وخذلانها.

سواء كان أبو عبيدة ما زال خلف لثامه أو قد ارتقى شهيداً، فإن الحقيقة الجوهرية لا تتبدل: الجسد قد يُستهدف، لكن الرمز لا يُغتال، لقد تحوّل المُلثَّم إلى ذاكرة المقاومة الناطقة، وإلى بوصلة وعي تفضح الاحتلال وتكشف خيانة الصمت العربي وتواطؤ الصمت الغربي، وفي كل محاولة اغتيال يعلنها العدو، لا يُصيب إلا نفسه بمزيد من العجز، لأن الرمز الذي يخشاه أكبر من رصاصه، وأفصح من بياناته، وأعلى من صمت العالم الحقير.

إنّ أبا عبيدة -حيّاً كان أو شهيداً- لم يعد صوتاً محلياً من غزة، بل أيقونة أممية تُذكّر البشرية أن ثمة أمة تنادي، وأن ثمة احتلالاً لم يُحسم بالاغتيال ولا بالخذلان، وهنا تكمن المفارقة: أن المُلثَّم الذي أخفى ملامحه هو ذاته الذي عرّى وجوه العالم وكشف هشاشة إنسانيته.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى