اراء

التعريف لطوفان الأقصى.. وأين تقف القضية والأردن الآن؟

بقلم: فؤاد البطاينة..

بداية، الشعب الفلسطيني الذي تعود سيرته في فلسطين مع ابراهيم ويعقوب وبنيه الى القرن العشرين “ق. م” حسب النصوص الصريحة في الأسفار الخمسة الأولى من العهد القديم (أي قبل اليهودية بستة قرون)، هو وريث شرعي أصيل لحضارات ما بين النهرين من قبائل العرب التي خرجت من الجزيرة من أموريين وآكاديين ومنها قبائل الكنعانيين التي بنت المدن الفلسطينية. وما أريد قوله هنا كمفارقة تأريخية، أن صراع الفلسطينيين ابتدأ مع اليهود حين دخلوا فلسطين غرباء، واليوم يبدو من المؤشرات الدولية والصهيو/يهودية الداخلية، أن نهاية من حملوا إرث هؤلاء الأغراب من الكفرة بالإنسان والإنسانية من قوميات الخزر المتهودة ستكون أيضاً في فلسطين على يد الفلسطينيين، والريادة هي قدر لحماس ومن واعز إيماني .

فنحن أمام مقدمات سياسية -عسكرية/ أخلاقية إقليمية ودولية متلاطمة كتحولات عميقة إثر طوفان الأقصى الذي لا يمكن النظر اليه كمجرد عملية عسكرية، ولا لحرب الإبادة والمحارق ضد الفلسطينيين كمجرد عدوان ويمضي، ولا يمكن لهذه الحرب أن تنتهي إلا بنتيجة كبيرة وحاسمة، تبدأ في الشرق العربي. وهذه المقدمات هي:

ـ من ناحية، نشهد تسخيراً لقوة أمريكا ودعماً عربياً رسمياً مؤثراً من دول الطوق والخليج بصمت من المسلمين وشيء من تواطؤ بعضهم، في تبني لأقذر حرب إبادة مستمرة بالتأريخ يضطلع بها المتهودون الصهاينة بحق الفلسطينيين المحاصرين بهدف أولي هو استسلام مقاومتهم وتهجيرهم. ويقابل هذا المعطى، المعطيات الانقلابية التالية.

– صمود أسطوري العزيمة والتصميم لمقاومين فلسطينيين بسلاح الإيمان بعنوان الشهادة أو النصر لا أجد له تفسيراً علمياً أو علمانياً يردفهم شعب خرافي التمسك بالأرض أفشل كل محاولات اختراقه للرحيل ونبذ المقاومة رغم الإبادة والإغراءات.

– هدف التطهير العرقي للفلسطينيين وتهجيرهم انعكس ذاته على المجتمع “الإسرائيلي” وشهدنا هجرة واسعة تبدو أبدية لمستوطني الكيان من فلسطين لأوروبا وأمريكا زادت عن مليونين ومازالت مستمرة، ولولا المعيقات الرسمية لما بقي فيها من المتهودين الصهاينة، الا أصحاب الظروف الخاصة.

تعاطف وتضامن شعبي عالمي مع الشعب الفلسطيني في تظاهرات لا تتوقف بهتاف أساسي هو “فلسطين حرة” في إشارة إلى رفض للكيان واحتلاله، ويردف هذا إدانة وتجريم المحاكم الدولية لقادة الكيان في تمرد تأريخي على الصهيونية.

 –انهيار صورة الكيان المحتل وسقوط مصطلحاته الزائفة في العالم كله، مع سقوط عسكري وأخلاقي .

ـ حوارات وحراكات وخلافات رسمية وضغوط داخل حكومات العالم وخاصة الأوروبية نتيجة تضارب مبادئها الدستورية مع مواقفها السياسية الباهتة من كيان الاحتلال بعد انكشافه.

ـ تحالف سياسي دولي في إطار الأمم المتحدة تقوده دول أوروبية للاعتراف بدولة فلسطينية، وإن تم هذا فستأخذ القضية الفلسطينية شكل دولة عضو في الأمم المتحد ومحتلة. وفي صنع أمر واقع جديد للقضية الفلسطينية سيؤدي لشرعنة المقاومة الفلسطينية دوليا .

فما المعنى والنتيجة لهذه المقدمات المتقابلة، إذا علمنا بأن نتنياهو زعيم العصابة لا يستطيع النزول عن الشجرة ووقف الحرب وهو لم يحقق من أهدافه شيئاً سوى الجرائم والكوارث. وبأنه إن فعل هذا جدلاً فسيقع ويوقع الكيان في كارثة عواقبها وخيمة وتشكل نهايته ونهاية الكيان من الداخل، وأن داعميه ومعهم العالم لا يستطيعون انتظاره الى ما لا نهاية أمام جرائمه، وبأن خيار انتحاره أو إلقاء قنبلة على غزة مثلاً لن يُغير من النتائج شيئا سوى حضور حتمي لنهاية إسرائيل والمشروع الصهيوني.

للإجابة، نبدأ بالتذكير بأول تعليق لحماس بعد عملية 7 اكتوبر في كلمة متلفزة على لسان الشهيد اسماعيل هنية قائد حماس قال فيها، أخرجوا من أرضنا، لتكتمل الصورة ونستخلص النتيجة والحقيقة لكل هذه المقدمات والمعطيات بأننا في حرب تحرير وبأن التعريف لطوفان الأقصى كان ومازال “حرب تحرير” قصرت أم طالت، والباقي تفاصيلها. على أن حرب التحرير الفلسطينية هذه، ترافقها بذات الوقت حرب تحرير توراتية صهيونية وحرب وجود معاً، على المكشوف لا رجعة فيها، وخاصة بعد سقوط سوريا ولبنان بيد هذا الكيان .

والأردن هو الهدف الذي يساوي فلسطين ولا بديل له أو يُغني عنه بلد آخر استراتيجياً وتوراتياً، كلمة لا ثانية لها لقيادة النظام والشعب معاً، الأردنيون والفلسطينيون طينة واحدة وتراب الأردن وفلسطين واحد في بوتقة التأريخ السياسي والاجتماعي والمصير ما كان إلا واحداً، خيانة فلسطين خيانة مباشرة للأردن وخيانة الأردن خيانة مباشرة لفلسطين، ونحن نتكلم عن دول وأوطان لا عن مزارع ونواطير.

القيادة الأردنية ماضية بنفس تفكيرها وسلوكها ونهجها. أوروبا منشئة الكيان تتغير وتأخذ مواقف، والأردن المستهدف لم يتغير مع المتغيرات قيد أنملة في سياستيه الخارجية والداخلية، ولا من كيان الاحتلال. والرهيب أن الشعب في الأردن بعوامه ومثقفيه وكتابه من النوعين (الرد السريع والأحرار) منتوجهم لا علاقة له بالواقع الذي هو “سياسي”.

يتكلمون ويخاطبون الإصلاحات والفساد والفقر والبطالة وتزوير إرادة الشعب في نوابه وحكوماته، بينما كل هذا هو، سياسة واعية للدولة. ويتوارون بعقد الندوات الأكاديمية والسياسية ويخرجون بأوراق وبرامج وكأن النظام لا يعلم بأن الأردن يعج بالعقول وبالخبراء والشرفاء، أو جاهل بالإدارة والحلول، وكأنهم من جانبهم لا يعلمون بأن أرضية تنفيذ مطالبهم المحلية غير موجودة والجرح مدمول، والسياسة الداخلية مسخرة لخدمة الخارجية وليس العكس، ولا يتساءلون عن السبب ليخاطبوه، فيصبحوا عوناً للمشكلة .

وبهذا لا أدري إن كان هؤلاء المثقفون يعلمون ويتجاهلون، أم لا يعلمون، بأن كل ما يتحدثون به عن مفاسد أو يطالبون بتصويبه، وكل خلل في الدولة وكل قرار أو عمل أو موقف سياسي أو اقتصادي أو إداري مستهجن هو سياسة مخطط لها مرتبطة وخاضعة لالتزام النظام بمتطلبات النهج السياسي المفروض، نهج التبعية لأعداء الأردن وفلسطين وقضايا العرب والمسلمين، نهج الالتزام بإرادة العدو ومخططاته، نهج تدمير الدولة باللامواطنة وبالفساد المالي والاقتصادي والإداري واحتلال ترابها. عدونا ومصائبنا هو النهج السياسي، لا تسألوا ما الحل، فالكلام بهذا أصبح مبتذلاً ومن يقرأ بعناية يعرف واجبه سواء كان النظام أو المثقفون والناشطون، لكن الجبن والنفاق أهلكنا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى