العمامة والكيباه.. متى يأتي انفجار الشرق الأوسط الأخير؟

د. ميساء المصري..
في زمن ما، قال أهل العمامة، بكل وضوح لا يحتمل التأويل: “لا يوجد سوى حل واحد ممكن لحالة الاضطراب في الشرق الأوسط، وهو إبادة وتدمير الدولة الصهيونية”.
وفي الجانب الآخر من المعادلة، قال أهل الكيباه عبِر أب الصهيونية القومية فلاديمير جابوتنسكي عن رؤية صارمة: “يجب أن تستمر الاستعمارية الصهيونية.. ولكن فقط تحت حماية قوة لا تعتمد على السكان الأصليين – وبجدار حديدي”.
إذن ما كان في الماضي يُقرأ كاحتمالات بعيدة أو سيناريوهات محتملة، بات اليوم منطقًا حتميًا، يدفعه إيقاع متسارع من الأحداث على الأرض، وحركات سرية فوق الطاولة وتحتها، حيث تُصاغ الخطط وتُرسم المعارك. كل شيء يشير إلى أننا على أعتاب فصل أخير أشد خطورة وتعقيدًا من أية لحظة شهدها الشرق الأوسط منذ الحرب الباردة.
هنا، في قلب هذا الصراع الذي يتجاوز القنابل والتكتيكات، يبدو أن الزمن لم يعد يقيس الصراع بين طهران وتل أبيب وواشنطن بوحدات التخصيب النووي أو اليورانيوم، بل أصبح يُقاس بوحدات التفكك البنيوي، والتعرية الأيديولوجية، والتراشق الرمزي الحاد بين “الكيباه أو القلنوسة” الصهيونية والعمامة الشيعية.
لم يعد هدف واشنطن وتل أبيب مجرد منع إيران من بلوغ القنبلة النووية، بل بات الطموح أعمق: إعادة صياغة النظام الإيراني ذاته، فكريًا وسياسيًا ومؤسساتيًا، وهو طموح يتطلب تفكيك الأنسجة العميقة التي تربط الأيديولوجيا بالبنية الأمنية والدينية، وهو ما نراه في تكتيكات “التجريف الأيديولوجي” المتبعة مؤخرًا. الاستراتيجية الجديدة لا تُضرب فيها المفاعلات بقدر ما تُستهدف العقول التي صنعتها، ولا تُقصف فيها الجغرافيا فحسب، بل هي صراع على الرموز، العمامة تُسقط قبل أن يُحاصر اليورانيوم، والحرس الثوري يُفكك قبل أن تُدمر أجهزة الطرد المركزي. وبين الأحداث، تبرز الكيباه كقائد لا يُقهَر، ورفيقها الكوبوي المتوحش الذي يرسم خطوط النار والقانون بلا هوادة. هنا، على هذه الخشبة، تُكتب فصول الشرق الأوسط الأخيرة، من غرفة التطبيع القادم حيث الموسيقى لا تهدأ، والدراما تتصاعد حتى اللحظة الحاسمة.
الضربات الأخيرة بين إيران والكيان، لم تكن نوبات انفعالية، بل جسورًا لحرق المراحل. تُذكّرنا هذه العمليات بتلك الاستراتيجية التي اتبعتها إسرائيل مع منظمة التحرير في الثمانينيات، تجفيف المنابع، تفكيك الحواضن، ثم توجيه ضربة قاصمة تضعف الفكرة قبل أن تسقط التنظيم. الفارق الوحيد أن العدو اليوم هو دولة لها امتداد إمبراطوري عقائدي، لا تنظيمًا سياسيًا. وهذا ما يجعل المعركة ضد إيران أكثر تعقيدًا وعمقًا.
وبدأ يتبلور شعور بأن السلطة في إيران تُعاد هندستها من الداخل بتوافق ضمني أو ربما ابتزازي بين تيارات النظام العميق وبعض الدوائر الخارجية. تمهيداً لمرحلة انتقالية غير مُعلنة، مرحلة فيها الثقة مهزوزة، والشارع الإيراني على صفيح يغلي، فهل العمامة لم تعد تملك قداسة العهد الأول؟.
في المقابل، إسرائيل تمضي في استراتيجية “عض الأصابع” و”الضربات الإستنزافية”، حيث تُراكم الأوجاع دون إشعال فتيل الانفجار الشامل الذي سيأتي، حيث تذكّرنا هذه المنهجية بتكتيك الإنهاك المستمر، عبر الضرب في الأطراف وانتظار لحظة التصدع من الداخل، وهي ذات اللعبة التي تلعبها إيران ما يحول المشهد إلى ما يشبه “الشطرنج الشبكي”، حيث كل حركة تؤثر على خمس رقع في آنٍ واحد.
لكن الاستنزاف له سقف، والحسابات الاستراتيجية تفرض لحظة قطف للثمار. واشنطن المنقسمة داخليًا بين تيار يريد احتواء النظام، وتيار يسعى إلى تفكيكه بالكامل، تراقب الوقت بقلق انتخابي. (درمبف) وهو الاسم الحقيقي لترامب بحاجة إلى نصر خارجي يعيد ترتيب أوراقه أمام خصومه، فيما إسرائيل تشعر أن “النافذة الذهبية” تضيق، برنامج إيران النووي بلغ اللحظة الحرجة.
إنه صراع لا يملك رفاهية الاستراحة، تتصاعد فيه الوتيرة مع كل هدنة، وكل اغتيال، وكل صفقة سرية. وكأن الشرق الأوسط بأكمله يقف على حافة البيكار، يُعاد رسمه لا بالحبر، بل بنصل المسيرات، وأصابع مرتجفة على أزرار تُعيد رسم العالم من غرف مظلمة، لم تعد الخرائط مجرد خطوط، بل جبهات، ولم تعد الرموز لباسًا، بل حدودًا تقاتل من أجل البقاء.
المشهد الأخير، إذًا، لن يكون قصفًا مفاجئًا، بل ذروة عملية تراكمية، قضم من الداخل، قضم من الخارج، تشظٍ تدريجي، ثم لحظة انهيار تظهر للعالم كأنها كانت مفاجئة، لكنها كانت تُطبخ منذ سنين، قد يكون هذا الفصل داميًا، مدفوعًا بابتسامات مخادعة تحت غطاء إعادة إعمار، لكن المؤكد، أن نهايته لن تُكتب على ورق، بل ستُحفر في الجغرافيا والذاكرة.
الخاتمة ليست نهاية، بل إنذاراً، الشرق الأوسط مقبل على هزة جذرية، ومن لا يتحصن سيجرفه الطوفان. وبين تل أبيب وطهران، لا يُقاس الوقت بالساعة، بل بالضربة المقبلة.



