اخر الأخبارثقافية

الغربة وعذابات الإنسان العراقي في منحوتات أنور صباح

المراقب العراقي/ أميرة ناجي..

النحات أنور صباح لا ينحت أجساداً بل حالات تتكثف فيها التجربة الإنسانية حتى تغدو شكلاً لا يمنح إجابات جاهزة بل يفتح شقوقاً في المعنى يدعونا عبرها إلى التأمل، وفي زمن تتراكم فيه الصور الخفيفة، تذكرنا هذه التجربة، أن الفن الحقيقي لا يرى فقط بل يحس ويعاش.

الغربة لا تبعد الإنسان عن وطنه بل تقربه من صوته الداخلي حتى يصبح الجسد هو الوطن الأخير، لا تقرأ هذه العبارة كحكمة عابرة بل كمفتاح لولوج عالم تتكثف فيه التجربة حتى تغدو جسداً، فالغربة التي عاشها أنور صباح لم تكن انتقالاً جغرافياً بقدر ما كانت تحولاً داخلياً أعاد صياغة الكينونة ذاتها هناك في المسافة بين مكانين يتصدع اليقين وتنكشف الهشاشة، فيبدأ الإنسان بإعادة اكتشاف نفسه من خلال ما فقده لا مما امتلكه وهنا يتكون الجسد مساحة بديلة تتقاطع فيها الأزمنة وتتجاور فيها الذكريات.

في هذا الأفق لم يعد الجسد تمثيلاً تشريحياً بل صار مستودعاً للحنين ومسرحاً للمقاومة وصوتاً خفياً يعلن حضوره عبر انحناءة أو توتر عضلة ومن هذا المنظور يمكن قراءة منحوتاته كأصداء داخلية تجسدت في البرونز، حيث تنطق الكتلة بما عجز عنه الكلام وتنحني البنية تحت وطأة ما لا يرى كأن كل تفصيل فيها يحمل أثر عبور طويل لم يكتمل بعد.

يشتغل الفنان على البرونز كما لو أنه كائن حي يستجيب لنبض داخلي ويتحول تبعاً لانفعالاته وهذه العلاقة بين الفنان والمادة ليست علاقة تشكيل بل علاقة كشف حيث يستخرج الشكل من داخل الكتلة كما تستخرج الذاكرة من أعماقها وهنا تلوح صلة عميقة مع ما أشار إليه Michelangelo حين رأى أن تحرير الشكل يتم من داخل الكتلة لا من سطحها وكأن الجسد في تجربة أنور صباح كان كامناً منذ البدء ينتظر لحظة انكشافه.

في أعماله يظهر الجسد بلحظة حرجة عالقا بين سقوط وشيك ونهوض مؤجل كأن الزمن نفسه يتردد في حسم مصيره فلا حضور لطمأنينة التوازن الكلاسيكي بل انحياز واضح إلى تعبيرية تفكك الشكل لتعيد تركيبه على هيأة سؤال مفتوح، فالجسد لا يقدم مكتملا بل متوترا منقسما يحمل آثار ضغط داخلي يكاد يفتته وهذا التفكك ليس ضعفا بل محاولة لإظهار ما هو أعمق من السطح ما لا يرى إلا حين تتشقق القشرة الخارجية.

تتجلى في هذه المنحوتات بنية مشدودة عضلات نافرة وانحناءات حادة كأن الجسد يستخرج من أعماقه لا من سطحه إنها معالجة تكشف عن إدراك دقيق للحركة الكامنة تلك التي لا تُرى بالعين بل تحس في توتر الكتلة وانقباضها، الشخصيات ليست ساكنة بل منخرطة في صراع مستمر مع قوى غير مرئية تتوزع بين الذاكرة والزمن وأثر الغياب.

ومن اللافت أن هذه الأجساد رغم تشوهاتها التعبيرية لا تفقد إنسانيتها بل تزداد اقتراباً منها، فالتشقق هنا ليس تدميراً بل كشفاً والانحناء ليس خضوعاً بل لحظة تأمل قصوى كأن الفنان يعيد تعريف الجمال خارج مقاييس التناسق ليضعه في قلب التجربة الإنسانية.

على مستوى التقنية تتداخل الخشونة مع اللمعان في سطح البرونز فينشأ توتر بصري يوازي التوتر الوجودي الكامن في الفكرة كل سطح يحمل أثر يد وكل ملمس يوحي بزمن مر فوقه ما يمنح العمل كثافة حسية تتجاوز الرؤية إلى الإحساس وهنا تتقاطع التجربة مع رؤية Auguste Rodin الذي رأى أن النحت فعل إزالة مستمر لما هو زائد حتى ينكشف المعنى وكأن أنور صباح لا يضيف إلى الكتلة بل ينحت منها ما يثقلها ليبقي جوهرها عارياً.

هذا التباين لا ينحصر في جماليات المادة بل يتجاوزها ليعكس انقساماً داخلياً عاشه الفنان بين فضاءين بين أصل يلح وواقع يفرض نفسه وهكذا يصبح السطح سجلاً حياً لآثار التجربة حيث كل خدش يحمل دلالة وكل لمعان يشير بمحاولة مقاومة.

الغربة هنا ليست خلفية بل جوهر التجربة إنها ليست فقدانا لمكان بل إعادة تعريف له في المنفى يتحول الوطن إلى فكرة معلقة إلى حنين يتخذ هيأة جرح إلى صورة لا تكتمل إلا عبر الاستدعاء، لذلك تبدو الأجساد وكأنها تبحث عن شكلها الأول تنحني تحت ثقل التذكر وتصرخ في محاولة لاستعادة ما تلاشى.

ورغم هذا التمزق يظل ثمة خيط خفي يشد هذه التجربة إلى عمقها الحضاري تتردد في الأجساد أصداء بعيدة من إرث عريق حيث كان الجسد حاملاً للمعنى وعلامة على القوة والقداسة غير أن هذا الإرث يعاد تأويله عبر تجربة معاصرة مثقلة بالأسئلة.

المعرض الذي زرته لم يكن مجرد مساحة عرض بل تجربة تعاش بكامل الحواس شعرت أنني لا أتنقل بين منحوتات بل بين حالات شعورية كل منها يفتح باباً مختلفاً على الذات.

كل قطعة كانت تقف في مواجهتي لا لترى فقط بل لتختبر قدرتي على الإصغاء لما تقوله الكتلة حين تصمت اللغة هناك صدق جارح جمال لا يهادن وحضور يفرض نفسه دون ادعاء.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى