اراء

السيادة كـ ” مسار”.. دروس من التجربة الإيرانية

د. معن على المقابلة..

إن تعقيدات المشهد، بين التصعيد العسكري المباشر والعودة المتكررة إلى طاولة المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة وما يشبه حالة “اللا حرب واللا سلم”، تكشف عن واقع أكثر عمقاً من مجرد حسم عسكري تقليدي.

فواشنطن رغم تفوقها، لم تتمكن من فرض شروط نهائية للصراع، وفي المقابل تظهر طهران بوصفها طرفاً قادراً على المناورة وطرح شروطه، وهو ما يعكس تحوّلاً في موقعها من دولة يُنظر إليها كـ”هشة” إلى فاعل يمتلك قدراً من القدرة على حماية مصالحه والدفاع عنها.

 ليس الهدف من استحضار التجربة الإيرانية تمجيدها أو تبرئتها، بل قراءة نموذج تنموي تشكّل تحت ظروف استثنائية وضغوط قاسية. فبعد ما يقارب نصف قرن على الثورة، وفي ظل واحد من أشد أنظمة العقوبات في العصر الحديث-لا يفوقه قسوةً ربما إلا الحصار الذي فُرض على العراق في تسعينيات القرن الماضي-يبرز سؤال مشروع: ماذا أنجزت إيران رغم ذلك؟ وماذا أنجزنا نحن في المقابل؟

في مجال العلم والمعرفة، يصعب إنكار التحوّل الذي شهدته إيران خلال العقود الأخيرة. فقد انتقلت من موقع متأخر في النشر العلمي إلى مراتب متقدمة نسبياً، مع حضور ملحوظ في مجالات دقيقة مثل تكنولوجيا النانو وأبحاث الخلايا الجذعية. كما توسّع نظامها التعليمي ليخرّج أعداداً كبيرة من المهندسين سنوياً. هذه المؤشرات لا تعني الكمال، لكنها تعكس توجهاً واضحاً نحو جعل المعرفة ركيزة من ركائز الاستقلال.

اقتصادياً، استطاعت طهران تحويل جزء من الضغط الخارجي إلى دافع داخلي. فبلد يرزح تحت عقوبات ممتدة تمكّن من تقليص اعتماده على الخارج في قطاعات حيوية، مثل الغذاء والدواء.

الاقتراب من الاكتفاء الذاتي في إنتاج القمح، والتقدم في الصناعات الدوائية وصولاً إلى التصدير، يشيران إلى بناء تدريجي لقدرات إنتاجية رغم القيود.

 وفي ميدان التكنولوجيا المتقدمة، دخلت إيران مجال الفضاء عبر تطوير قدرات لإطلاق الأقمار الصناعية، كما واصلت تطوير برنامجها النووي السلمي وسط تعقيدات سياسية كبيرة.

قد يختلف كثيرون مع سياساتها، لكن السعي لامتلاك أدوات القوة العلمية والتقنية يظل حقيقة قائمة.

في المقابل، يبدو الواقع العربي مثقلاً بالمفارقات. منطقة غنية بالموارد، واسعة السكان، وذات إمكانيات اقتصادية كبيرة، لكنها لا تزال تعتمد بدرجة ملحوظة على الخارج في مجالات أساسية كالغذاء والدواء والتسليح. ورغم وجود تجارب ناجحة هنا وهناك، إلا أن الصورة العامة تشير إلى خلل في ترتيب الأولويات، حيث تتجه استثمارات كبيرة نحو الاستهلاك بدلاً من ترسيخ قاعدة إنتاجية مستقلة.

وهنا يبرز دور النخب العربية، ليس في تكرار الخطاب التقليدي، بل في إعادة طرح الأسئلة الصعبة. لماذا تتمكن دولة تحت حصار طويل من تحقيق قدر من الاعتماد على الذات، بينما تعاني بعض دولنا ديونا فلكية وبنى تحتية متهالكة؟ ولماذا تبدو دول أخرى، رغم وفرة مواردها، وكأنها تفتقر إلى القرار السيادي، فتتجاذبها مصالح القوى الكبرى كما تتقاذف الكرة في ملعب مفتوح؟ إن طرح هذه التساؤلات بجرأة قد يكون الخطوة الأولى نحو مراجعة حقيقية لمسار التنمية والاستقلال.

المسألة هنا ليست عقد مقارنة حادة أو إصدار أحكام نهائية، بل طرح سؤال جوهري: كيف تتمكن دولة محاصرة من بناء قدر من الاستقلال، بينما تتعثر دول أكثر وفرة في تحقيق ذلك؟ الإجابة معقدة، لكنها غالباً ما ترتبط بعامل حاسم: الإرادة السياسية. حين تتجه البوصلة نحو الإنتاج والمعرفة، تنعكس هذه الرؤية في السياسات والاستثمارات.

أما حين تغيب، فإن الموارد -مهما بلغت- تتحول إلى أدوات استهلاك لا أكثر.

في النهاية، السيادة ليست شعاراً يُرفع، ولا صفقة تُعقد؛ بل مسار طويل يبدأ بقرار، ويتجسد في التعليم والبحث والإنتاج.

وربما يكون الدرس الأهم أن الكرامة الوطنية لا تُقاس بما نستورده، بل بما ننجح في صناعته بأيدينا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى