اراء

مع اشتداد المواجهة.. لم يبقَ لدى نتنياهو سوى خيارين أحلاهما مرٌّ

بقلم: د. سعد ناجي جواد..

هناك أسئلة كثيرة تدور بالذهن، في ظل تصاعد وتيرة المواجهة الدائرة منذ أكثر من اسبوع، والمرشحة لان تطول أكثر، حول خيارات نتنياهو الذي تعوّد أسلوب الهروب إلى الأمام وإيجاد مخارج له من خلال حروب واعتداءات خارجية، فهل ينجح هذه المرة أيضا؟.

بعد الضربة الاولى التي وجّهت إلى إيران فجر يوم 13 من الشهر الحالي، تولد انطباع عام بان إسرائيل أو نتنياهو بالذات، أوشك على إكمال سلسلة (انتصاراته) على كل القوى والدول المعارضة لدولة الاحتلال، (هذه السلسلة التي وضعها الموساد الاسرائيلي، واقتنعت بها واشنطن، مستغلة أحداث الحادي عشر من ايلول 2001، والتي ضمت تدمير سبع دول هي العراق وسوريا واليمن وليبيا والسودان والصومال وإيران، وهذا ما أكده البروفيسور الأمريكي المعروف جيفري ساكس مؤخرا). ومع النجاحات الاولى للهجوم الإسرائيلي، بدأ الإعلام الإسرائيلي والغربي معه، ونتنياهو نفسه، يتحدث وكأنه أصبح الملك غير المتوج على الشرق الأوسط الجديد الذي ما فتئ يبشر به، لا بل ذهب الحديث أبعد من ذلك ووصل إلى حد ترقب ان تعلن القيادة الايرانية استسلامها واضطرارها (لتجرع السم)، ولكن في ظرف 14 ساعة فقط، استعادت إيران توازنها وقامت بتوجيه ضربات موجعة للكيان المحتل، وبعد اسبوع فقط، تمكنت من قلب الصورة ووضعت نتنياهو في موقع المرشح لتجرع كأس السم، وهو لا يزال كذلك.

في قراءة متأنية لأحداث الأيام الثمانية الماضية لابد وان تبرز مجموعة من الاستنتاجات أو الحقائق:

ـ أولا: ان اسرائيل اعتقدت ان ضربة موجعة ومكثفة على كل مناطق إيران الحساسة العسكرية والنووية، واستهداف القيادات الكبيرة والرئيسة في المجالين سيُركِع إيران ويجعلها ترفع الراية البيضاء، أو في أقل تقدير يظهرها بمظهر العاجز عن الرد والتقوقع ثم السقوط من الداخل، وهذا الاعتقاد أثبت فشله لحد الآن.

ـ ثانيا: ظهر واضحا ان أغلب حسابات اسرائيل كان خاطئة، وإنها وبكل إمكانيتها الاستخبارية، ومعها استخبارات الولايات المتحدة وأوروبا الغربية، لم تكن على علم بالقدرات الصاروخية الإيرانية، وتفاجأت بها تماما، وكل الادعاءات الاسرائيلية بشأن تدمير ثلث أو نصف القدرات الصاروخية (من حيث العدد ومنصات الإطلاق) اثبتت عدم دقتها، ثم عادت التقارير الاسرائيلية للتحدث عن تعافي الدفاعات الجوية الإيرانية ووجود خزين أكبر من المسيرات والصواريخ الأكثر تطورا، ولم ينسَ محدثوها ان يتهموا روسيا والصين والباكستان في تقديم الدعم لإيران، لكي تستوعب الضربة الأولى. وفي الحقيقة ان باكستان تقف على رأس هذه الدول لسببين، الأول ان نتنياهو تحدث صراحة في لقاء تلفزيوني عن ان الضربة التالية بعد إيران ستوجه إلى باكستان وبرنامجها وسلاحها النووي (الذي وصفه بالنووي الإسلامي). والثاني هو انه في المواجهة الأخيرة بين الهند وباكستان وقفت إسرائيل إلى جانب الأولى واستغلت الأحداث لكي ترسل مسيرات اسرائيلية وخبراء في هذا المجال لتخريب منشآت نووية باكستانية.

ـ ثالثا: في ظل هذا الواقع الجديد، هرعت الحكومة الاسرائيلية ومؤيدوها في واشنطن والغرب، لاستجداء مساعدة الرئيس ترامب وطلبت تدخله العسكري المباشر (إنقاذا لإسرائيل من الانهيار)، وطبعا ترامب لم يكن بحاجة لمثل هذا الطلب، حيث انه كان مساهماً في كل الترتيبات والإعداد للهجوم الإسرائيلي على إيران، لا بل انه هو من قاد حملة التضليل التي سبقت الهجوم، وأعترف هو ونتنياهو بذلك، وادعى الرئيس ترامب (ان نتائج الضربات الاسرائيلية الدقيقة حققت أكثر مما كنا نتوقعه)، وليس أمام إيران سوى رفع الراية البيضاء.

ـ رابعا: الآن و(بعد ان ذهبت السكرة وعادت الفكرة) بدأت الحسابات الأمريكية تتقلب لأسباب عديدة أهمها الانقسام الشديد داخل مراكز صنع القرار الأمريكي بين مؤيد للتدخل ورافض لزج القوات الأمريكية في أتون مواجهة لا تعرف عواقبها، واستذكار تجربة حرب العراق، لهذا جاء اصرار الكونغرس الأمريكي على ضرورة استشارته قبل ان يقدم الرئيس على فعل ذلك، في هذه الحالة فان كل يوم يمضي من دون ان يعلن الرئيس ترامب مشاركة الجيش والأساطيل الأمريكية في الحرب إلى جانب إسرائيل، يعني الإسراع في سقوط حكومة نتنياهو وبالضغط الشعبي الداخلي، الذي بدأ يكتشف يوما بعد يوم ان نتنياهو يطيل أمد المواجهات والحروب لمصالح سياسية شخصية.

على الجانب الآخر، فان قرار نتنياهو بالذهاب إلى الحرب ضد إيران وضع الرئيس ترامب (الذي صدَّق الادعاءات بان إسرائيل قادرة على انهاء الخطر الايراني)، في موقف محرج، فانه لم يهرع إلى نجدة نتنياهو فان الحليف الأهم لأمريكا في العالم سيكون معرضاً للانهيار وربما التفتت، وان تدخل بصورة مباشرة فان سيعرض حياة جنود أمريكا وقواعدها في المنطقة إلى خطر شديد وكبير، بكلمة أخرى ان مغامرة نتنياهو والرد الايراني، يتسببان في حرج للرئيس الأمريكي. هذه الحالة ربما هي ما جعلت تصريحاته تتضارب وتتفاوت بين التهديد والترغيب ووصلت أخيرا للسماح بوفد الترويكا الأوروبي للاجتماع مع وزير خارجية إيران، و(إعطاء مهلة أسبوعين لطهران) كي تثبت صدق نيتها في عدم سعيها للحصول على سلاح نووي. وهو لا يزال يؤكد انه لم يصل بعد إلى قرار واضح بين خيارين: فرض وقف إطلاق نار دائم أو المشاركة في الحرب، علما ان الخيار الاول لا يتوافق ورغبات نتنياهو وحكومته، بينما الخيار الثاني لا ينسجم ووعود ترامب بتجنب زج القوات الأمريكية في حروب خارجية.

ـ خامسا: ان وطأة الحرب الاقتصادية على إسرائيل أصبحت ثقيلة جدا، فإسرائيل تتكلف أكثر من مائتي مليون دولار في كل يوم عند مواجهة أعداد قليلة من الصواريخ والمسيرات الإيرانية، وهذه التكلفة تتصاعد إذا ما زادت الهجمات وطالت مدة المواجهة، واليوم يجري الحديث عن تكلفة تتجاوز الـ12 مليار دولار، إذا طالت المواجهة لمدة شهر واحد، ناهيك عن تعطل الحياة الاقتصادية في فلسطين المحتلة بالكامل، صحيح ان غالبية الاسرائيليين مؤيدون لحرب تقتل الفلسطينيين وتدمر ايران، لكن هذا التأييد بدأ يتناقص بعد ان انقلبت الصورة ووصلت نتائج المواجهات التدميرية إلى عقر دارهم ومدنهم وقراهم وبيوتهم.

ـ سادسا: والأهم هو ماذا سيحصل لو ان الولايات المتحدة أحجمت عن التدخل بالطريقة والحجم الذي يطلبه نتنياهو؟ أو لو انها تدخلت وفشلت في تدمير مفاعل فوردو، كما يؤكد بعض الخبراء الإسرائيليين؟ وهو رأي انعكس على تصريحات للرئيس الأمريكي قال فيها: ان إسرائيل لوحدها غير قادرة على تدمير المنشآت النووية، وأضاف على ذلك تصريح أكثر دلالة قال فيه، ان امكانية تدمير كل البرنامج النووي الايراني ومنشآته أمر صعب المنال. هذه كلها تصريحات يقول بعض المراقبين انها تنسجم مع وعوده السابقة بتجنب حروب مكلفة، ولتأكيد هذا النهج فلقد صرح يوم أمس، ان التهديد والتلويح بالقوة قد يأتي بنتائج إيجابية أكثر من استخدامها، وإذا كان هو حقيقة يريد وعداً ايرانياً بعدم السعي وراء الحصول على سلاح نووي، فان إيران من خلال سياستها البرغماتية المعروفة بها، ولكي تتجنب مواجهة مع الولايات المتحدة، مستعدة جدا لتقديم هذه الضمانات، واصلا هي قدمتها مرة أخرى وبوضوح في الاجتماع الأخير في جنيف مع الترويكا الأوروبية.

وكل هذه التصورات والتقلبات ربما تفتح باب المفاوضات بين واشنطن وطهران مرة ثانية. في هذه الحالة، أو في حال استمرّت الصواريخ تنهمر على الداخل الإسرائيلي لأسبوعين أو ثلاثة آخرين، فانه سوف لن يكون أمام نتنياهو سوى خيارين لا ثالث لهما، الأول اللجوء لاستخدام السلاح النووي، وهذا أمر ليس بالهين وسوف تكون له عواقب وخيمة على حكمه ومستقبله السياسي، والثاني القبول بتجرع كأس السم والموافقة على وقف إطلاق نار وتقبل مصيره المحتوم الذي ينتظره وهو المحاكمات والسجن.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى