الكيان الإسرائيلي وعام الحرب 2025.. لماذا وكيف؟

بقلم: محمد جرادات..
يواصل رئيس هيأة أركان “جيش” الاحتلال الإسرائيلي إيال زمير التأكيد، أن عام 2025 سيكون عام حرب، وهو ما سبق أن قاله قبل أن يتسلم قيادة هيأة الأركان، ليكرره الآن بشكل رسمي لضباط “جيشه”، مع تأكيده، أن عين الحرب في غزة وإيران.
في وقت حرص زعيم “الصهيونية الدينية” سموتريتش على التأكيد، أن قائد “الجيش” الحالي منسجم تماماً مع الحكومة، ويعرف مهمته جيداً، وهي المهمة التي وصفها زمير ذاته بإخضاع حماس؛ لأنها لم تُهزم بعد، وإن تعرضت لضربات مؤلمة.
يأتي سيل التصريحات الصادر من حكومة الاحتلال وقيادة “الجيش” بشأن ضرورة الحرب التي لم تحقق كامل أهدافها، ما يناقض واقع الحال المتصل بأزمة هذا “الجيش” الذي فقد 16 ألفاً بين قتيل ومعاق، بحسب البيانات الرسمية، وهي البيانات التي بادر زمير إلى الإفصاح عنها قبل استلام وظيفته، وهي لم ترد في المعطيات التي واظب على الإعلان عنها المتحدث باسم “الجيش” دانيال هغاري، الذي تم عزله منذ أيام قليلة.
تتعمق أزمة “جيش” الاحتلال باتجاهات ثلاثة وهي:–
أولاً: العجز عن تجنيد الحريديم، وهم المتدينون اليهود من خارج الفكر الصهيوني، ويشكلون كطائفة نسبة 15% من المجتمع الإسرائيلي، ويتم دعمهم من قبل بعض أحزاب الحكومة، والحكومة لا يمكنها التعويض عن هذه الأحزاب، ما يضطر “الجيش” للتعويض عن الشبان الحريديم بتجنيد الاحتياط من كبار السن، والذين فقدوا أعمالهم وتفككت بعض أسرهم نتيجة طول فترة التجنيد، خصوصاً أنهم يتقاضون رواتب منخفضة.
ثانياً: افتقاد الخطة والهدف والمعلومات، فالعودة إلى الحرب مع غزة أو لبنان، أو شن الحرب على إيران، تفتقد إلى خطة تتضمن أهدافاً قابلة للتحقق في ظل انعدام معلومات جديدة، خصوصاً حول أماكن احتجاز الأسرى الإسرائيليين في غزة، أو ضمان أمن المستوطنين في الشمال، والذين يرفضون العودة بسبب استمرار المخاوف من حزب الله، أو القدرة على تفكيك البرنامج النووي الإيراني.
ثالثاً: انسياح فرق “الجيش” عبر قطاعات واسعة ومختلفة الحال، وهو انسياح يكرس الفوضى والعجز عن ضبط الإيقاع، والذي طالما حذر منه الجنرال اسحق ابريك المسؤول السابق عن الشكاوى داخل “الجيش”، سواءٌ في سوريا حيث يندفع هذا “الجيش” بشكل واسع وكأنه مستنقع جاذب في ظل الفراغ الناشئ عن سقوط نظام الأسد، وعجز النظام الجديد عن بلورة موقف سياسي صارم تُجاه الاحتلال الإسرائيلي وتصاعد عدوانه، أو الاعتداءات المتوالية في لبنان مع البقاء في خمس نقاط قابلة للتوسع في حال بقيت مواقف الدولة اللبنانية ضمن استراتيجية الخيار الواحد، أو المراوحة بين الحرب وتجدد الهدنة مع غزة في ظل تصاعد تظاهرات ذوي الأسرى والموقف الأمريكي الذي انفتح للتفاوض المباشر مع حماس، وأخيراً الواقع في الضفة حيث عملية “السور الحديدي” التي لم تحقق أي أهداف استراتيجية حتى الآن، سوى تهجير أهل مخيمات جنين وطولكرم ونور شمس.
من المستبعد أن يكون عزم قيادة “جيش” الاحتلال على اعتبار العام 2025 عام حرب، في سبيل الضغط النفسي عبر الجبهات السبع، ولا سيما جبهة غزة، أو دفع إيران إلى التفاوض المشروط مع أمريكا، إنما يعكس هذا العزم التكوين الأيديولوجي لهذه القيادة الجديدة المتحفزة، وهو يظهر بجلاء في تصريحات سموتريتش الذي تبين أنه يخترق “الجيش” بضباط ينقلون له خطط “الجيش” ومواقفه منذ زمن، وهؤلاء معنيون بالفعل بتحقيق النصر المطلق الذي سبق لنتنياهو أن حلم به من دون فائدة.
عند استعراض التناقض السياسي المتعاظم داخل الكيان، وحجم السخط تُجاه نتنياهو على كل المستويات، سواء محاولات عزل المستشارة القضائية للحكومة، أو الضغط على رئيس “الشاباك” للاستقالة، بعد أن نجح في إقصاء وزير الحرب السابق يوآف غالانت وعيّن بدلاً منه يسرائيل كاتس الفاقد للأهلية، إضافة إلى إقصاء هرتسي هليفي رئيس الأركان السابق وتعيين زمير المنسجم مع سياسته رغم أهليته، ما يجعل المشهد الداخلي قابلاً للانفجار عند أدنى خطأ استراتيجي، والحروب عادةً حبلى بهذه الأخطاء، خصوصاً عند الحديث عن عقدة غزة وافتقاد “الجيش” إلى خطة الوصول إلى الأسرى، فضلاً عن إخضاع حماس والجهاد، مع غياب خطة اليوم التالي للحرب عند المستوى السياسي، في ظل رفض خطة القمة العربية وانسداد الأفق.
يمكن للحرب الإسرائيلية أن تذهب تُجاه اليمن باعتباره التحدي البعيد الملحّ، ما يورط “الجيش” الإسرائيلي بمتاهة غير مألوفة، ويبقى احتمال التعمق في سوريا هو الأكبر، خصوصاً أن هناك مخططاً إسرائيلياً قابل للتحقق ظاهرياً بإقامة ممر داوود الإسرائيلي التأريخي من الجولان حتى الحسكة وحلب مروراً بالسويداء، عبر تعزيز العلاقة الإسرائيلية مع الدروز والكرد، على الرغم من نجاح الحكم الجديد في توقيع اتفاقيات مع هذين المكونيْن، فإنها اتفاقات قابلة للنقض في ظل طموحات هذه الأقليات وعجز النظام عن التفكير كدولة مع فشله في التعامل مع أزمة الساحل وارتكابه المجازر بحق العلويين.
عقلية الحرب الإسرائيلية السائدة تعكس واقع المشي على حد السيف، وأمام انسداد الأفق السياسي الداخلي والإقليمي، فإن هذا المشي يحمل مخاطر وجودية، خصوصاً مع تعاظم الطموح السياسي والشعور بالغطرسة في ما يتعلق بتغيير وجه الشرق الأوسط، ليصبح واقع الكيان مرتبطاً وجودياً بشخص نتنياهو، وهو يتكرس بشكل متصاعد مع تآكل مؤسسات الدولة ومدى خضوعها للحكم الفردي.