اراء

عتبات الاحتمال الإيرانية.. ماذا تقول التجربة التأريخية؟

بقلم: محمد فرج..

عندما بدأ العدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران صبيحة السبت الثامن والعشرين من شباط، كان الرهان مشابها لحرب الـ12 يوماً من حيث المبدأ، ولكنه ليس من حيث الحجم (scale) استند الاعتقاد الأميركي إلى أنّ جولة ثانية من استهداف القادة، بإطار أوسع، يشمل المرشد؛ يمكن أن يُحدث إرباكاً أكبر مما حدث في حزيران 2025، ولا سيّما إذا ما تزامن مع محاولة إحداث فوضى منسّقة في الداخل.

جاء الرد الإيراني السريع ليدُلُّ على تنفيذ خطة مرسومة مسبقاً ومتفّق عليها، حتى بعد استشهاد قائد الثورة الإسلامية، مما يعني أن بنك الأهداف محدّد بشكل مسبق وخطة الاستجابة متفق عليها. وهذا يعني أيضاً أن ترتيبات التعيينات واستبدال القادة، كانت تتمّ بالتزامن مع استهداف كيان الاحتلال والقواعد العسكرية الأميركية في المنطقة.

في حزيران عام 2025، استجابت إيران للمرحلة الأولى من الحرب بشكل متتالي، وليس متزامن، بمعنى أنها خصّصت نهار اليوم الأول تقريباً للسيطرة على الأعمال الإرهابية من إطلاق المسيّرات في الداخل، وإجراء التعيينات اللازمة للقيادات الجديدة، وبعدها استعادت الزخم مساء للرد على “إسرائيل”. هذه المرة عملت خطة الردّ بشكل متزامن، مما يعني أن تأثيرات عنصر المفاجأة دفنت في حزيران 2025.

تحرّكت هذه الجولة من الحرب على أكتاف الدروس المستفادة من الجولة السابقة:

يجب منع حالة التزامن بين العدوان من الخارج وتحريك أعمال شغب وعنف مسلّح من الداخل؛ لذلك كان تحرّك الجماهير الشعبية المؤيدة للحكومة وقوات الباسيج جدار الصدّ الأول لمنع حالة التزامن هذه، وانكفأت الأقلية المستعدة للتحرك أمام هذا الحضور الأوسع.

حسب تقديرات الضابط السابق في البحرية الأميركية، سكوت ريتر، فإن الهجوم بالمسيّرات من داخل الأراضي، الذي حدث خلال حرب 2025، احتاج 10 سنوات من التحضير. لذلك يأتي التركيز الأميركي والإسرائيلي على العنف المسلّح الداخلي والفوضى، وهو ما تم اختباره قبل الحرب في إيران.

في العودة إلى الوراء، جاءت الثورة الإسلامية في ذروة الحرب الباردة، وكانت خسارة الشاه تعني الكثير بالنسبة لواشنطن، ولذلك تعرّضت الثورة لهجوم متشعّب ومبكر حال انتصارها:

استمرّت محاولات الثورة المضادة وتحريك انقلاب عسكري ضدّها شهوراً بعد سقوط الشاه. يروي ويليام سوليفان، السفير الأميركي الأخير في إيران قبل الثورة، عن محادثاته الساخنة مع كارتر وبريجينيسكي، ويقول إن الفتى المدلل والذئب المتعجرف لا يعرفان عدم معقولية نجاح خطوة كهذه.

محاولة إرباك التفاهمات الداخلية الإيرانية، بين التيارات السياسية المختلفة التي اتحدت على عنوان إسقاط الشاه، ولكنها لم تتفق على عنوان المرحلة التي تليه. فوّتت التفاهمات الداخلية الإيرانية الفرصة على المحاولات الأميركية.

محاولات الولايات المتحدة و”إسرائيل

صناعة فوضى داخلية، بمزيج من احتجاجات أثناء الحرب، أو تنظيمات إرهابية تستغل لحظة الانشغال وتحديداً من الأطراف، وإرباك القوى الأمنية والشرطة. وليس غريباً التكرار المستمرّ في دعوات نتنياهو وترامب للشعب الإيراني بالتحرّك ضد النظام.

تحويل نمط القيادة المركزي إلى نمط قيادة فسيفسائي. بمعنى قطع طرق التواصل داخل المؤسسات العسكرية والسياسية وبينها، وكذلك بين مؤسسات الدولة والجمهور، ومن هنا يأتي استهداف المنشآت الإدارية ومقرات الأمن والشرطة والبرلمان وكذلك التلفزيون

تحاول إيران

1. إبقاء كيان الاحتلال تحت الضغط والاستهداف، وتعميق النتائج الاستراتيجية المعتمدة على هشاشة نفسية المجتمع الاستيطاني.

2. استهداف القواعد الأميركية لشل حركتها والإضرار بحجم مساهمتها في الرصد والاستطلاع والهجوم والاعتراض. وخلق بيئة جديدة للوجود الأميركي في المنطقة.

3. مضيق هرمز وتبعاته على الاقتصاد الأميركي: لا يمكن حل المسألة باكتفاء الولايات المتحدة من النفط الصخري، لأن الاقتصاد الأميركي أيضا قائم على المضاربات والبورصات التي تطلق العنان لمؤشرات التضخم مقابل ارتفاع أسعار النفط، مما سيضر بكل محاولات خفض الفائدة.. تقليدياً فإن كل 10% زيادة في أسعار النفط تستجلب زيادة في مؤشر التضخم 0.1 نقطة أساس.

4. تجفيف مخزون صواريخ الاعتراض والاستثمار في الفجوات الزمنية الفاصلة بين جولات إعادة التذخير والشحن.

5. استهداف القطع البحرية الأميركية، كما حدث في إصابة سفن الدعم القتالي mst msp، ولكن إن نجحت محاولات إصابة السفن الأكبر، سوف يكون ذلك جرحاً استراتيجياً لواشنطن ليس من السهل تضميده

تمتلك واشنطن تأريخاً في إسقاط الأنظمة بالانقلابات العسكرية أو الحرب، وخلق ذلك تصوراً في المزاج العالمي أنّ التفوق الأميركي لا يمكن التعامل معه إلا بالاستسلام. إذا نجحت إيران في فرض نهاية معينة لهذه الحرب، ستفتح شهية اللاعبين الآخرين لتجريب “مغامرة” كسر الهيمنة الأمريكية في العالم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى