حرب بلا انهيار.. قوة العقيدة والشهادة والأمة الإيرانية

مازن النجار..
إن قدرة إيران على البقاء رغم العدوان لا ترتكز فقط على صمودها عسكريا ومؤسسيا، بل أيضا على هوية حضارية تشكلت بفعل معتقدها الديني وقوة الشهادة الخالدة.
من منظور إيران، تُعدّ الحرب التي اندلعت ضدها في 28 شباط 2026، صراعا وجوديا. وقد أُعلنت أهداف التحالف الأمريكي الإسرائيلي صراحةً: تفكيك بنية القيادة، وتفتيت تماسك النخبة، وتسريع الانهيار السياسي للدولة الإيرانية من أعلى.
بالنسبة لإيران، الرهان حضاري. فلا تعتبر الصراع تنافسا سياسيا، بل معركة لأجل السيادة والاستقلال والاستمرارية التأريخية. إن ذاكرة التدخلات الخارجية ضد إيران -انقلاب عام 1953، أو منظومات العقوبات المتعاقبة- تُشكل تفسير اللحظة الراهنة. في السياق التأريخي، لا يُنظر للحملة الحالية كمجرد حدث عسكري معزول، بل هي الفصل الأخير في صراع طويل حول من يُحدد مصير إيران السياسي.
في منشوره على منصة “تروث سوشيال” يوم 28 شباط، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب نبأ اغتيال المرشد، قائلاً: “هذه هي الفرصة الأعظم للشعب الإيراني لاستعادة وطنه“.
لكن، يرى عالما السياسة الأمريكيان جون ميرشايمر وبول غرينييه، هذا الافتراض مبنيا على سوء فهم عميق. فإيران ليست مجرد دولة حديثة ذات جهاز مركزي، بل هي أيضا الموطن التأريخي لتقاليد دينية راسخة، ترى في وفاة القائد قوة وتماسكا لا انهيارا. غالباً ما يُفسر الغرب الاستشهاد كخسارة فادحة، بينما يحمل الاستشهاد، في الفكر الإسلامي عامة والشيعي خاصة، دلالة مختلفة تماما، فهو تضحية مقدسة، وانتصار أخلاقي، وشهادة قاطعة على الحق بوجه الطغيان. هذا الاختلاف في المفهوم الأخلاقي بالغ الأهمية في زمن الحرب.
كربلاء.. لاهوتا سياسيا
يشرح الكاتبان كيف أن استشهاد الإمام الحسين بن علي (ع) في معركة كربلاء (في العراق حاليًا) عام 680، يُعدّ الحدثَ المحوري في الإسلام الشيعي. ففي التراث الشيعي، لم يكن استشهاد الحسين مجرد مأساة في ساحة المعركة، بل كان مواجهة كونية بين العدل والطغيان. وأصبح رفضه الخضوع لسلطة غير شرعية نموذجًا للمقاومة العادلة.
بالنسبة للمجتمعات الشيعية، التأريخ ليس دوريا، بل هو أخلاقي. يُعاد تمثيل كربلاء طقوسيا كل عام خلال عاشوراء. في إيران، يشارك الملايين بمواكب العزاء، وشعائر التعزية، وفعاليات إحياء الذكرى جماعيا. لا تقتصر هذه الطقوس على إحياء ذكرى الماضي فحسب، بل تُرسّخ في كل جيل رؤية كونية تُعلي شأن المعاناة والتضحية والصمود بوجه الظلم.
1979.. الثورة كإحياء لمعركة كربلاء
استندت الثورة الإيرانية عام 1979 بشكل كبير إلى رمزية دينية. فقد صوّر آية الله الخميني معارضة الشاه لا كحركة سياسية تقليدية، بل كإحياء لموقف الحسين إزاء يزيد. وتغلغلت صور الاستشهاد في الخطاب الثوري.
أما الحرب نفسها -التي شنّها نظام صدام حسين بدعم مادي من القوى الغربية والإقليمية- فقد اعتبرت هجوما وجوديا على الثورة. وبدل الانهيار تحت الضغط، تماسكت إيران. وتحصّنت مؤسساتها وتعمقت عقلية التصدي للحصار.
الاستشهاد والتماسك الاجتماعي
يذكّر المؤلفان بأن الفكر الاستراتيجي الغربي يفترض أن الاغتيال المُستهدف يُضعف الخصوم بإضعاف معنويات أتباعهم. قد يصح هذا الافتراض في ثقافات سياسية شديدة العلمنة. إلا أنه في الفكر السياسي الشيعي، يُعدّ الاستشهاد عاملا مُسرّعا. فعندما يُقتل قائد مثل السيد خامنئي، لا تنتهي الرواية بالضرورة، بل تشتدّ وتتكثف.
تجلّت هذه الدينامية بعد اغتيال قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني، اللواء قاسم سليماني، عام 2020. وبدل أن يُزعزع اغتياله استقرار النظام بشكل فوري، أطلق مواكب جنائزية ضخمة، وعزز المشاعر المعادية لأميركا بمختلف شرائح المجتمع الإيراني. أُعيد تصوير سليماني مدافعا عن الوطن والدين، وأصبحت صوره حاضرة بكل مكان.
الاستشهاد.. عمقا استراتيجيا
عندما تمارس القوى الغربية المعاصرة ضغوطًا عسكرية، فإنها تلج واقعا تأريخيا مُشبعا بذكريات الغزو. وتندمج روايات الاستشهاد الدينية بسلاسة مع المظالم القومية. والنتيجة ليست ثنائية بسيطة بين النظام والشعب، بل هوية متعددة الطبقات تتداخل فيها العقيدة والتأريخ والسيادة.
في المصطلحات العسكرية التقليدية، يشير العمق الاستراتيجي إلى الجغرافيا والوفرة. أما في حالة إيران، فهناك أيضًا عمق أيديولوجي. تضمن أيديولوجية الاستشهاد ألا تتحول الخسائر تلقائيًا لإحباط معنوي، بل يمكن أن تُحفز التعبئة. ويصبح كل شهيد جزءًا من حشد متنام للمقاومة.



