الشخص المناسب في المكان المناسب وفي الزمن غير المناسب


محمود الهاشمي
يؤكد لنا التاريخ أن العديد من الشخصيات الفاعلة والمؤهلة للإدارة والقيادة، قد فشلت في مهامها بعد استلامها للسلطة، وغالبا ما يفر هؤلاء من المسؤولية أو يتمارضون وبعضهم ادعى الجنون لا لأنهم ليسوا أهلا لها لكنهم يدركون، أن الظرف الذي دعوا فيه لاستلام المسؤولية غير مناسب، أما لأن الأمر قد اشتبك، أوان الأمراء ضعفت سلطتهم وارادوا أن ينقذوا أنفسهم من محنتهم دون تنازلات أو سواها، وبين يدي من أسماء هؤلاء الكثير، لم اوردهم لأنني لا اريد أن نترك موضوعنا ونوغل في تفاصيل التاريخ وتداعياتها. في الخامس عشر من الشهر الحالي 15/8/2016 وتحديدا يوم الاثنين صادق مجلس النواب على خمسة وزراء وهم عبد الرزاق العيسى وزيرا للتعليم العالي، وحسن الجنابي وزيرا للموارد المائية وكاظم فنجان وزيرا للنقل وان نافع وزيرا للإسكان والاعمار وجبار لعيبي وزيرا للنفط. هؤلاء الشخصيات لاشكوك في امكانيتهم سواء على المستوى العلمي والتخصص أو على مستوى الخبرة والمهنية. ولكن السؤال الأهم:-هل يستطيع هؤلاء المهنيون المتخصصون أن يعيدوا للوزارات بهاءها بعد خرابها ؟ لنسأل هل كان الوزراء المقالون (بلا مستوى علمي او خبرة ؟ ) فالدكتور حسين الشهرستاني كان عالما وسياسيا ورجل معارضة ومعتقلا لسنوات.. إذا لماذا لم ينجح في مهمته ومثله آخرون ايضا!! إن المحاصصة التي بنيت عليها إدارة الدولة أفسدت كل مشروع، وصنفت العراق على أنه الثاني في الفساد الإداري والمالي عالميا حيث بيعت الوزارات وبيعت المناصب، وامتلأت مؤسسات الدولة بالمفسدين، وبشخصيات أبعد ما تكون عن المهنية، ناهيك عن المافيات التي تبتلع المال قبل وروده للدائرة.. خلال عملي الطويل بالصحافة فقد ترأست العديد من الصحف العراقية وكنت قريبا من المسؤولين، وأصحاب القرار، لم أجدهم مرة واحدة قد اختاروا (الرجل المناسب في المكان المناسب) إلا ماندر، وقد عجبت كل العجب كيف اختاروا د. صلاح نوري رئيسا للرقابة المالية، ولا أدري كيف سيقاوم ؟ لقد عمل نظام المحاصصة، وتوزيع الوزارات والهيئات على الأحزاب إلى نظام طارد للكفاءات والمهنيين، وهؤلاء أما انزووا في مكان بعيد عن أي مسؤولية أو احالوا أنفسهم على التقاعد، وقد ابلغوا مباشرة من كبار المسؤولين بذلك دون تردد ، باعتبار أن هذه الوزارة ملك لهذا الحزب أو ذاك ، ولو عدنا إلى الملفات وكتب النقل والإعفاء لوجدناها حمل باخرة وفي أصغر مؤسسة !! الوزراء الخمسة ستواجههم التحديات الاتية:-1- انهم لم يكونوا خيار رئيس الوزراء بل خيار الكتل السياسية وبذا لن يتفاعل معهم.2- أن الكتل السياسية وان اختارتهم من (خطها الثالث) لكنها ستفرض عليهم شروطا وضغوطا أقلها ابقاء المدراء السابقين من انصارهم في مواقعهم الإدارية، وإلا سيشرعون بالاطاحة به وتوفير شروط (الاستجواب).
3- سيجدون الوزارات أشبه ما تكون بالعصابات التي من الصعب اختراقها، فيكونون بين خيار المواجهة التي تحتاج إلى آليات منها الغطاء السياسي والأمني، ومن ذا سيوفر ها لهم ؟ 4-هؤلاء الوزراء من التكنوقراط يحتاجون إلى بيئة مستقرة وإلى دولة قوية ومؤسسات فاعلة ومتفاعلة مع توجهاتهم. ومن أين لهم ذلك إذا ما شرعوا بالتغييرات وبكشف ملفات الفساد التي سيكون اول ضحاياها الأحزاب التي رشحتهم! !5-هناك مشكلة أخرى ستواجههم هي نقل الصلاحيات إلى المحافظات، وفي تلك المحافظات إدارات سياسية تنتمي كل محافظة إلى جهة سياسية لها اجنداتها وبرامجها واعداؤها.. وهؤلاء انا شهدتهم بنفسي يتعاملون مع كتب الوزارات وفقا لاهوائهم !! 6- هؤلاء الوزراء سيكونون جزءا من مجلس الوزراء غير المنسجم اصلا والذين جاء وزراؤهم وفقا لنظام المحاصصة الحزبية !! 7-سيواجهون رئيس مجلس وزراء ضعيفا غير قادر على إدارة المجلس بشكل صحيح ، مترددا في آرائه متسرعا في قراراته .8- سيواجهون بالأزمة المالية التي تقف حائلا أمام توجهاتهم ومتطلبات عملهم. 9-سيجدون مجلس نواب غير متفاعل معهم، باعتبارهم جاؤوا رغما عنه، أولا ثم جاؤوا في ظرف يشهد فيه المجلس أعلى مراحل فشله وضعفه وصراعاته، وستكون الرقابة من أجل المناكفة لاغير. ثم فقدان التعاون.10- ستحاول الأحزاب التي رشحتهم أن تظهر أن هؤلاء وان كانوا من (التكنوقراط) لكنهم ليسوا بأفضل من وزرائهم الذين اقيلوا. 12- سيواجهون مشكلة الملفات العالقة مع الإقليم؛ وان اربيل تتصرف كدولة منفصلة في ثرواتها ومائها ،وجيشها وحدودها الخ.13-لم يبق من الدورة التشريعية الحالية سوى عامين،هل تكفي هذه المدة لأن يقدموا شيئا متميزا في ظل التحديات التي اسلفناها، وأمام خبرة السياسيين وفنونهم في خلق الأزمات؟ 14- حتى يكتمل نصاب مجلس الوزراء نحتاج إلى أشهر أخرى ومشاورات. للمصادقة على بقية الوزراء.. فكيف سيعمل هؤلاء الوزراء في ظل هذه الظروف والعقد؟ لا شك هناك تحديات أخرى يصعب حصرها، ونقول:-هل سيرضخ هؤلاء الوزراء لضغوط السياسيين فيكونون نسخة من اسلافهم؟ هل سيواجهون التحديات وهم بلا غطاء سياسي ؟ هل سيقدمون استقالاتهم حفاظا على سمعتهم وتاريخهم وعناوينهم؟ هل سيطالبون الشعب للوقوف معهم ، وهل من سبيل لنصرتهم ؟ أسئلة كثيرة، في ظل ظروف غامضة صعبة وتكهنات ليست لها من نهاية؛ ناهيك عن حجم التدخلات الخارجية وأثرها في التأثير على القرار.



