وداعا يا عام الشهداء.. وقل لنا إلى أين المسير والمصير؟

بقلم: خالد شحام..
أيامٌ قليلةٌ باقية ويقترب العام الرابع والعشرون من نهايته في ذروة السنوات العجاف وأيام ٍ تبدو كالسَّراب بل أشد تكذيبا، نحن الشاهدون على زمن العجائب والسبع الموبقات وزمن المحن الكبيرة وزمن الباقيات الصالحات، نحن الشاهدون والشهداء على صعود الفتن وانحطاط الفضيلة وضياع الحقوق وانتصار الطغاة، هذا هو زمان القبض على الجمر، وحيث يبيت الحليم حيرانَ .
ما يجب التأكيد عليه بأننا أمام سلسلة أحداث عظيمة مخططة عن سبق إصرار، ليس فقط للشرق الأوسط بل تشمل العالم بأكمله، نحن لم نخرج من سنوات العسرة بعد، سنوات العسرة التي تم افتتاحها مع مطلع العام العشرين بخديعة كورونا التي طالت كل البشرية ثم تمددت بمسلسل الدفع الأمريكي بهذا العالم نحو الهاوية، الهاوية التي تتجسد الآن ويوميا في مجزرة غزة العاملة ليلا ونهارا دون توقف، لقد انفصلت غزة عن الكوكب العربي وتدحرجت في الفضاء المجهول، ما يأتينا الان هو رجع بثٍ متأخر يشوبه التشويش الستاتيكي من مراسلي غزة واستغاثات المستشفيات وبكاء الاطفال ونحيب الأمهات، لقد قُضي الأمر وقضت غزة على كل الأنظمة العربية حتى لو لم يدركوا ذلك بعد، غزة العظيمة وحدها الان تتحمل حمولة الشر لكل هذا العالم وأصبحت منارة كل الأجيال والمستقبل .
ما الذي رصدناه في هذا العام وكيف السبيل وأين المفر وإلى أين المصير والمسير؟
1- إذا كان الربيع العربي الأول قد أخفق في مهمته فإن طوفان الأقصى هو الربيع الأول الحقيقي لعالم العرب، إن النفاذ الذي حققته غزة على الرغم من حجم الخسائر الفادحة في الميزان المدني يمثل أول ارتقاء لعالم العرب والمسلمين وهو الخطوة الأولى الحضارية في كسر قيود مزمنة مبيتة منذ عشرات السنين، إنها المحاولة الأولى الجادة لكسر ثوابت سايكس -بيكو التي نسيها الجميع.
2- لقد تكشفت حقيقة الدولة العربية تماما، عوامل وبذور التدمير الذاتي التي أوجدها الحكم العربي داخل بلده اكبر من عوامل البناء، وعوامل الفناء اكبر من عوامل البقاء، السنوات التي ضحكت فيها الدولة العربية على نفسها وعلى شعوبها وأمضتها في العبث والتأخر العلمي وبناء مؤسسة الفشل القائمة على النعيم المزيف وأجهزة الأمن جاء وقت حصادها، ومن العبث التفكير بأية آفاق تقدم او ازدهار لعواصم الرماد لأن الرماد يبتلعه البحر ويذيبه المطر.
3– لم يعد في وجود هذا العالم شيء اسمه الديموقراطية او حقوق الإنسان أو القانون الدولي، لقد احترقت كل هذه الشجرة اليابسة وتساقطت وتناثر رمادها على كل العالم الغربي ونتائج هذا السقوط ستظهر خلال العقد القادم، من يفترض او يتوقع ان يتواجد هذا المصطلح في سوريا الجديدة او مصر أو ليبيا او أية بقعة من العالم فهو واهم، نحن الان نسبح باتجاه الحكومة العالمية الموحدة تحت شعار الحكم الجبري الذي تقاتل غزة والشعب اليمني ضده، وهذا الخطر قادم لا محالة لكل منكم إلى بيته شرقا وغربا وقد اعلن عن نفسه بكل صراحة وقوة وجرأة.
4– سقط الإعلام العربي كاملا وأسقط معه الشعوب، سقطت الفضائيات وكل التحاليل الطبية السياسية والستوديوهات الإغوائية، سقطت الصحافة والكتاب والمفكرون العرب، لم يتبق احد، كل ما نقرأه أو تقرأونه الان مني او من غيري هو حفنة من الهراء وكل ما تطالعونه يوميا هو حصاد السنابل الفارغة من كبار الكتاب حتى أصغرهم، أصبحنا جميعا خَرفين او فاقدي اهلية، الإعلام الحقيقي انتقل الى تلفزيون حماس والجهاد الاسلامي واليمن العظيم، والأخبار والتحليلات الصحيحة هي تصريحات ابو عبيدة وكلمات الابطال التي تُلقى قبل الرمي، الأنباء الحقيقية هي التي تقدمها مقاطع فيديو المقاتلين في غزة واصطياد أعداء الحياة ورجمات الصورايخ المقدسة اليمنية وكل ما عدا ذلك زيف ومحاولات قفز من الزوارق الغارقة .
5– إن هذا الصراع بمقاسه الكبير، ومن ضمنه ما يجري في غزة ولبنان وسوريا والخليج وايران مهما تغطى بكل الدعايات ومكياجات التزوير والتزويق فهو في نهاية المطاف الحفر ضد الإسلام بهويته العربية أولا وبالأداة العربية ثانيا، وتثبيط الصعود العربي بالفكر الإسلامي، الحفر تحت الأرض وتحت اللغة وتحت الثوابت كي نسقط كلنا في هاوية الفراغ الغربي والخندق الأخلاقي الأمريكي، جيش المخربين الاسرائيلي والمتعدد الجنسيات من البريطاني الى الفرنسي انما يخوض حرب دفاع عن روح الربا والخمر وتعدد العلاقات والمثلية والانحلال الاجتماعي وحقوق القتل المفتوح الرخصة والاستيلاء غير المشروع.
6– إن الثمن الذي سندفعه جميعا لقاء ما يحصل في غزة أكبر بكثير مما يمكن لأحدكم أن يتخيله، إنه دمٌ ثمينٌ ودَينٌ لا يفنى ولا يستحدث، إن هؤلاء النساء والأبرياء والأطفال الذين يموتون على مرأى من أعيننا من البرد أو القصف أو نقص العلاج أو الحليب أو الغذاء هم أقوى من القنبلة الذرية وأكبر خطر يتهدد مصير الأرض بالفناء والاندثار والعقاب، وإنما نحن في جدول الانتظار الرباني .
من كان يصدق بأن شخصا مثل الشهيد يحيى السنوار تسبب في هَزِّ العالم ِبأكمله؟ من كان يصدق بأن المقاومة الفلسطينية ستلمع في سماء الصمود مثل نجم سهيل؟ ومن كان يصدق بأن أرض اليمن سترسل صواريخ النار الى فلسطين لتقف مع شعب فلسطين؟ من كان يصدق أن جيش الظلام عبارة عن جبناء وأنذال بهذا القدر؟ من كان يصدق أن صاروخا من حزب الله أو اليمن سيجعل حثالة الأرض يبيتون ليلهم في الملاجىء؟ من كان يصدق بأن اليمن سيقصف بوارج الاستكبار الأمريكي ويغلق البحر الأحمر ويرمي مطار بن غوريون ويستر عورة أمة بأكملها؟ من كان منكم يؤمن الان بكل ذلك، فعليه بأن يصدق ويعلم بأن نصر الله قادم وبأن شعب فلسطين لن ينكسر ولن يستسلم، وشعب اليمن البطل لن يركع ولن يتوقف مهما قصفوا وحرقوا.



