أي ثمن دفعه السوريون لقاء نقل الغاز القطري إلى أوروبا عبر تركيا؟

بقلم: موسى عاصي..
لم يمضِ أسبوع واحد على تسلّم المجموعات الإرهابية، زمام الأمور في سوريا، حتى طفت على سطح المشهد السوري المعقّد، وقبل استتباب الأمور، مسألة خط أنابيب نقل الغاز القطري عبر الأراضي السورية، وصولاً إلى تركيا فأوروبا، وهو مشروع قديم، يعود للعام 2009، رفضه الرئيس السوري بشار الأسد في حينه، أي قبل سنتين من اندلاع الحرب في سوريا.
المشروع، الذي ستتكفّل قطر بتكاليفه التي تصل إلى 10 مليارات دولار، يمتد على مسافة 1500 كيلومتر، انطلاقاً من حقل جنوب فارس/الشمال في قطر، مروراً بالسعودية والأردن وسوريا ثم تركيا ومنها إلى القارة الأوروبية، كان من شأنه أن يقلّل الاعتماد الأوروبي على الغاز الروسي (قبل اندلاع الحرب الأوكرانية) وأن يحوّل تركيا إلى مركز ثقل استراتيجي كمنصة توزيع غاز إلى أوروبا وغيرها.
أسباب رفض الأسد لمشروع قطر – تركيا
سلّطت وسائل الإعلام الغربية ومراكز القرار الغربي في حينه، الضوء على المصالح الروسية كسبب وحيد لرفض الرئيس الأسد المشروع التركي – القطري، لأن الغاز القطري سيحلّ محلّ الغاز الروسي الذي كان، قبل الحرب في أوكرانيا، يؤمّن 45% من احتياجات أوروبا للغاز الطبيعي.
وهذه الفرضيّة صحيحة إلى حد ما، فموسكو حليفة تأريخية لسوريا ومن غير المتوقّع أن تأخذ دمشق قراراً يهدّد مصالح حليفتها، واتهم الأسد في حينه أنه فضّل مصالح روسيا على مصلحة شعبه الذي كان بالإمكان أن يستفيد من حقّ مرور الغاز في أراضيه، لكنّ الوقائع التي كشفت منذ تلك المرحلة، تفيد بأنّ رفض الأسد كان له سبب وجيه آخر ويعود لسوريا بمنافع اقتصادية أعلى بكثير من الخط القطري التركي.
كان الأسد يناقش في تلك المرحلة، وبدعم روسي، مشروع بناء خط أنابيب لنقل الغاز الإيراني عبر العراق وصولاً إلى أوروبا عبر نافذة سوريا على المتوسط، وكان بإمكان هذا المشروع أن يؤمّن احتياجات سوريا من الغاز عبر حقّ المرور، وثانياً سيحوّل سوريا إلى مركز استراتيجي لتصدير الغاز الإيراني إلى أوروبا بديلاً من تركيا، وقد تمّ بالفعل توقيع مذكّرة تفاهم بين الدول الثلاث؛ إيران والعراق وسوريا في تموز عام 2011، أي بعد ثلاثة أشهر فقط على بدء الحرب السورية، على أن يكون جاهزاً للعمل بحدود العام 2016، وحدّدت التكاليف بنحو 10 مليارات دولار.
على هذا الأساس، يمكن الذهاب نحو الاستنتاج الذي جرى الحديث عنه بإسهاب مع بداية الحرب في سوريا، عن أن المشروع القطري التركي ورفض الرئيس السوري له كانا سبباً وجيهاً لبدء حرب إسقاط الأسد عام 2011 من قبل الأطراف المعنية بالغاز، وكان هذا أيضاً واحداً من الأسباب التي دفعت روسيا لدخول الحرب.
دور السعودية
يقول الدكتور نفيذ أحمد، وهو كاتب بريطاني في Middle East Eye و The Guardian وله كتب عدة من بينها “الدول الفاشلة والبيئة والاقتصاد”، إن بندر بن سلطان، اعتبر أن خطة إنشاء خط أنابيب بين إيران والعراق وسوريا سيشكّل “صفعة مباشرة في الوجه” لخطط قطر وسيرفع من نفوذ إيران بشكل واسع في المنطقة، وقد حاول بندر رشوة روسيا طالباً منها عدم السماح بتطبيق هذا المشروع، إذ أبلغ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن “أي نظام سيأتي بعد” الأسد، سيكون في أيدي المملكة العربية السعودية بالكامل وأنها ستحافظ على المصالح الروسية في سوريا، وعندما رفض بوتين، تعهّد بندر بعمل عسكري ضد سوريا.
مشروع النفط العراقي – الإسرائيلي
كما أنّ لـ”إسرائيل” مصلحة مباشرة في مواجهة خط الأنابيب الإيراني العراقي السوري، ففي عام 2003، أي بعد شهر واحد فقط من بدء حرب العراق، نقلت صحيفة الغارديان عن مصادر حكومية أمريكية وإسرائيلية وجود خطط “لبناء خط أنابيب لسحب النفط من العراق الذي تمّ احتلاله حديثاً إلى إسرائيل” (عبر الأردن) وحتى أواخر عام 2007، كان المسؤولون الحكوميون الأمريكيون والإسرائيليون في نقاش مستمر حول تكاليف مشروع هذا الخط الذي سقط لاحقاً بسبب التطورات والتغييرات في العراق.
التحضيرات للحرب منذ 2009
المشروع التركي – القطري حظي بمباركة أمريكية – أوروبية، لأنه سيوجّه ضربة ضخمة للاقتصاد الروسي، ووفقاً لاعترافات وزير الخارجية الفرنسي السابق رولان دوما، فإن بريطانيا “كانت تخطّط لعمل سري وتعدّ مسلحين لغزو سوريا” منذ عام 2009، أي في العام نفسه الذي اقترح فيه إردوغان مشروع خط أنابيب الغاز القطري على الأسد.
وفي العام 2011، واستناداً إلى رسائل إلكترونية مسرّبة من شركة الاستخبارات الخاصة “ستراتفور”، وفيها ملاحظات من اجتماع مع مسؤولين من البنتاغون، كشف عن أن الولايات المتحدة والمملكة المتحدة تدرّبان منذ عام 2011 قوات المعارضة السورية بهدف استنباط “انهيار” نظام الأسد من الداخل.
لقد كان واضحاً، أن الرئيس السوري السابق بشار الأسد، بتحالفه مع إيران والاتفاقية التي وقّعها الطرفان مع العراق، قد أثارت مخاوف استراتيجية لدى مجموعة من الدول في مقدّمتها تركيا و”إسرائيل”، الخاسرتان من خط الأنابيب الإيراني – العراقي، فمن جهة سيمنع على تركيا التحوّل إلى منصة غاز دولية، تستخدمها كما فعلت روسيا لعقود طويلة، للضغط على الأوروبيين، فالرئيس التركي لم ولن ينسى رفض الأوروبيين لمشروع انضمام بلاده إلى الاتحاد الأوروبي.



