الغدير بين خطاب الإنكار ودعوات المحدودية !!

بقلم/ سعيد البدري..
يبدو أننا نواجه شكلا مُحدَثا من أوجه خطاب الكراهية ،ولا ريب ان ما تردده بعض الوجوه الكالحة من أجراء الخارج، لا يخرج عن دائرة الطعن والسب والشتم ومحاولة تزييف التأريخ بإنكار الثابت منه ،كردة فعل على ما يجري من تصحيح واحقاق للحق وانصاف لثقافة الاغلبية ، ولن يفلحوا في ذلك مهما فعلوا لأن دوافعهم ليست الوصول للحقيقة بل ممارسة سلوك عابث ،يدعو للفوضى ،ولعل اغلبهم ممن نتيقن فسادهم وقد يصدق عليهم قوله تعالى ” يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ” وبئس السبيل الذي يسلكون ..
هذا الخطاب البائس، الذي جرى ترويجه منذ اقرار مجلس النواب العراقي عيد الغدير عطلة رسمية ، وحتى قبل مناقشة المبررات الموضوعية لهذا التشريع ،وسهام الحاقدين والطائفيين تستهدف ثقافة الاغلبية السكانية في العراق ،ويبدو واضحا للعيان مدى الاستهتار والدونية التي رافقت خطاب المعترضين والمنكرين ، الغريب ان بعضا من أولئك المنحطين الشاذين الداعين للفساد والإفساد تطوعوا لمهاجمة المحتفلين بعيد الغدير عادين اياه استفزازا لمشاعر شركاء الوطن ،رغم إعلانهم في مناسبات سابقة الدعم والمناصرة ،لدعوات المثلية والشذوذ والاساءة للقرآن الكريم، التي هاجمت الاسلام والمسلمين ،وتعدت على ثوابتهم الاخلاقية،مما يكشف عن اجندات سامة ،بات الترويج لها يأخذ منحا يتسم بالعهر والتجاهر بالعداوة ، فيما حاول البعض التعاطي مع الامر بشكل آخر اكثر قبحا عبر كيل الشتائم والطعن بمن يحيون هذه المناسبة والتعدي على اعراضهم وانتمائهم للوطن ،في سلوك ينافي ما يدعون اليه ،وهو الدفاع عن التأريخ الاسلامي وثوابته كما يزعمون ،متجاهلين ان الغدير واقعة تاريخية ثابتة لامجال للطعن بها وانكارها، اوالالتفاف على حقيقتها الواقعية المثبتة في مصادر جميع المؤرخين المسلمين ،وغالبيتهم من غير مدرسة اهل البيت عليهم السلام .
على صعيد آخر ، رافقت المناسبة ،سلوكيات حملت نوعا من الدعاية المُوحية بأن عيد الغدير مناسبة وطنية عراقية ،ولعل حصرها بفئة قليلة لاتكاد تذكر على خريطة الوجود الشيعي كامتدادات جغرافية خارج الاراضي العراقية ، وان ادعى من أطلقها انه يتحدث عن حدث محلي يخص المكون الشيعي في العراق ، بإقرار يوم الغدير عطلة رسمية ،ربما من قال بذلك غير مدرك بأن تحجيم المناسبة بهذا الشكل لا يخلو من اشكال ،وحتى مع عدم القصدية تبدو هذه الدعوات تجهيلا ينبغي التعرض لاسبابه ،فالخلافات السياسية يجب أن لا تمتد لهذه المساحة الاعتقادية ،كما لايجب وضع سياقات تؤسس لمحدودية الفكر الشيعي المرتبط بأصل الرسالة ، فالمحلية والمحدودية تتقاطع مع اصل دعوة النبي صلى الله عليه وآله الذي اختار مناسبة تجمع المسلمين كموسم الحج وجمع العائدين من المناسك للتبليغ بولاية علي عليه السلام ،بذلك لا يجوز رفع شعارات تقول بالمحدودية وعراقية عيد الغدير، لان بلدانا كثيرة في العالم الاسلامي تحتفل بالغدير الاغر ،وخطاب الفئة المنتمية للون سياسي او فكري ينبغي ان يأخذ مساحته ضمن عمومية المناسبة لا ان يقيدها به ،وينسبها لجهده ،وحتى دون الايحاء بأنه صاحب الحق بإظهارها للعلن ،لان ذلك غير ممكن حتى عراقيا ..
إجمالا احتفال الاغلبية الشيعية في العراق بهذه المناسبة كان مثاليا كالعادة ،ولم يختلف الامر عن الاحتفال بأي مناسبة ترتبط بتاريخ آل النبي عليه وعليهم الصلاة والسلام ، وربما تسجيل بعض الحالات الفردية غير الواعية لا يقدح مطلقا بحسن التعاطي مع المناسبة ومراعاة الاخرين على مستوى الخطاب العام للجمهور الشيعي ،فالمناسبة اسلامية بامتياز وابناء المذهب الشيعي اكثر المكونات حرصا على وحدة الكلمة والدفاع عن الوطن ولا يمكن ابدا المزايدة على وطنيتهم ،أما انصافهم بإقرار هذه المناسبة عطلة رسمية فهو مراعاة لخصوصيتهم وهذا اقل مما نتوقع في جدول الاستحقاقات لأن الاقليات حتى تلك التي يعد افرادها ببضعة آلاف من المواطنين لديهم عطل رسمية معترف بها وطنيا ولا تجري مناقشتهم مطلقا في تفاصيل طقوسهم وشعائرهم واحتفالاتهم رغم ان بعضها قد يتقاطع مع ثقافات واعتقادات الاخرين من شركاء الوطن ، لذا ننصح تلك الافواه المريضة بالابتعاد عن كل ما من شأنه إثارة الحساسيات ،وممارسة دور الداعين للفتنة بترويجهم لخطاب الكراهية ،ولهم ولأمثالهم نقول ” لا ترموا الناس بالحجارة وبيوتكم الوهنة من زجاج ” ، اما المحتفلون بهذا العيد فلهم نقول جعلنا الله واياكم من المتمسكين بولاية علي عليه السلام ،فهذا ما دعا له محمد صلى الله عليه وآله وسلم ،ولن نقبل بأقل من ان نكون له تبعا مخلصين ،مطمئنين بصحة ما دعا له وبلغ به بأمر الله ،والمجال مفتوح امام الجميع لمناقشة التأريخ وماورد فيه بعلمية وعقلانية دون تعصب وعمى ،وكان الله يحب المحسنين ..



