اراء

وساوس صهيونية

بقلم: أحمد فؤاد..

أسقطت “طوفان الأقصى”، أي قول بعدالة قيم التصنيف الغربية، وظيفيًا وعمليًا. يمكننا الآن الجزم بأن قوة الجيوش لا تعتمد على توفر المعدات ولا عدد المقاتلين ولا محيط الانتشار. في موقع “غلوبال فاير باور” المتخصص في “تقييم” الجيوش طبقًا لأسلحتها وكفاءتها وقدراتها وترتيبها، لن تجد مقارنة بين الجيش اليمني والأميركي. لن تجد اليمن في قوائم تلك التصنيفات والأرقام والأعداد إلا “الصفر” المجرد، لكن الواقع الذي تمخضت عنه عمليات البحر الأحمر العسكرية بين اليمن والشيطان الأكبر تجزم بانتصار يمني واضح لا لبس فيه. انسحب العدو الأميركي بحجة استنفاد مخزوناته أو إرهاق جنوده أو إعادة تأهيل سفنه، وترك ميدان القتال لأبطال اليمن وحدهم في البحرين الأحمر والعربي والمحيط الهندي.

شيء من هذا القبيل يمكن قراءته في تفاصيل معركة رفح الرهيبة التي كانت معركة أراد فيها الصهيوني تغطية عورته بسحق كل قوات المقاومة فيها، فإذا بها تقلب الشارع والحكومة على نتنياهو الذي بدأ حملات التراشق مع جنرالات جيشه حول المسؤولية عن الفشل في رفح. بالطبع لن يعترف العدو الصهيوني بالهزيمة -فهي بالنسبة له أمر يمس أعصاب وجوده- لكن عجزه يفضح أي محاولة بائسة للهروب من شبحها.

للتوضيح فقط ببعض الأرقام التي مهما كانت طبيعتها جافة جامدة، فإن لها أن ترسم صورة معينة لما كان عليه الحال في غزة قبل انطلاق عملية رفح. شهدت مدينة غزة ذات المساحة المحدودة جدًا -360 كيلومترًا مربعًا- والمحاصرة من الشقيق، استخدام العدو لـ79 كيلو طن من الذخائر والمتفجرات والقذائف، ولتوضيح هول الرقم فإن مدينة هيروشيما اليابانية -905 كيلومترًا مربعًا- قد نالت ضربة نووية أميركية تكافئ 13 كيلو طن فقط من المتفجرات، بينما شقيقتها ناغازاكي -406 كيلومترًا مربعًا- قدرت القوة الانفجارية للقنبلة النووية عليها بـ21 كيلو طن فقط، وغزة وحدها تتفرد في التأريخ الذي نعرفه بأنها المدينة التي تعرضت لقوة نيران تساوي 219.4 طن من المتفجرات لكل كيلومتر مربع واحد فيها.

في معركة رفح بالذات ظهرت الروح الجديدة للمقاومة العربية والفلسطينية، مع إسناد الجبهات الذي يشعر المقاتل بحرارة الدعم والمدد مهما كانت بعيدة، في رفح وقف الفلسطيني بعد 8 شهور من قصف لا يتوقف ويطال كل شيء على قدمين ثابتتين يرد حشود العدو بالنار، في رفح حيث المجاعة والعدوان لـ260 يوما من القتال لم تعرف هذه الأمة له مثيلًا أثبت الإنسان العربي بسالته وقدراته. اليوم لايزال المقاتل على الأرض المحروقة قادرا على استهداف القلعة الفولاذية المتحركة التي تسمى ميركافا 4 ودحرها وتدميرها، اليوم فقط من جبهات لبنان واليمن وغزة تعلمنا أن الموت في حد ذاته ليس الشجاعة المطلوبة، بل إن الموت هو فتح مئة بوابة حياة، اليوم في جبهات الشرف نفهم بالعين والروح والقلب بعض دروس كربلاء.

إذًا، لم يعد باقيًا أمام حكومة مجرمي الكيان سوى خيار واحد أخير، وهو إعلان نصر ما في غزة، والانتقال إلى جبهة جنوب لبنان التي تعد اليوم هي السيف المُصوَّب نحو القلب الصهيوني، والتي تمنع واقعيًا عودة مئات آلاف النازحين إلى مناطقهم في الشمال، وهي جبهة يعرف الصهاينة جيدًا أن خطرها لن يكون ممكنًا حصره باتفاق تهدئة، والجرأة التي بلغها حزب الله في ضرب الكيان خلال معركة طوفان الأقصى تجعل نفوسهم السوداء أكثر غلًا وشرًا وحقدًا.

يريد الكيان تحقيق الاستفادة القصوى من الظرف الدولي المربك، بشن ضربة حاسمة على لبنان، يشيعون بأنهم سيستخدمون فيها أسلحة لم تظهر في ساحات المعارك من قبل والهدف: هو تدمير جزء معتبر من جنوب لبنان، ليخرج صراخ ونعيق غربان الداخل مستجدياً الرحمة، ليتدخل مجلس الأمن الدولي بأوامر واشنطن، ويطلب وقف الحرب مقابل تمرير قرار يقضي بانسحاب حزب الله إلى ما وراء الليطاني، وهذا هو الهدف الأساس من الحرب، سيكون النصر كما يوسوس الشيطان في قلب نتنياهو.

لكن السؤال المعلق بالموقف كله يبقى: هل فتحُ بوابات حرب شاملة مع حزب الله هو أمر بالغ البساطة واليسر كما يروج هؤلاء؟

ما نعرفه -ونؤمن به- ونصدقه من الأمين العام لحزب الله سماحة السيد حسن نصر الله، أن الكيان سيواجه ما لم يخطر له على بال. حرب بلا سقوف ولا خطوط حمراء. ما سيفعله نتنياهو واقعاً هو أنه سيكسر ختم قمقم لا يعلم عنه شيئًا، وسينطلق المارد من عقاله دون أية فرص للسيطرة عليه أو تطويعه وتحديده، وسيرى المجرم في مدن الكيان المحتلة “صورة غزة” المتكررة. سيولا من حمم ملتهبة، وشلالات دم مهدور، وأكوام أشلاء آدمية ممزقة ومطحونة.. نحن صدقنا السيد حين قالها لـ “بوش وأولمرت أنتم لا تعرفون من تحاربون”، ونحن نصدقه اليوم أكثر من أعماق قلوبنا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى