روسيا وتركيا.. بين التكتيك والاستراتيجية

بقلم: حسني محلي..
أدرجت الخزانة الأمريكية قبل يومين أسماء 13 شركة تركية في جدول المقاطعة والعقوبات المفروضة على روسيا بحجة الحرب في أوكرانيا، واتهمت الخزانة الشركات المذكورة وأصحابها بتغطية احتياجات روسيا من المعدات المختلفة، وأهمها تلك المستعملة في صناعة السفن والنقل والصناعات الكيمياوية.
وجاء القرار الأميركي بعد ثلاثة أيام من الزيارة المفاجئة لوزير الخارجية هاكان فيدان ولقائه المفاجئ مع الرئيس بوتين ونقله رسالة شفهية مهمة إليه من الرئيس أردوغان.
وجاءت هذه الزيارة بدورها بعد تصريحات مثيرة للرئيس بوتين تحدث فيها عن “دعم تركي عسكري لأوكرانيا” وقال عنها “إنها استخدمت المسيّرات التركية ضد الأهداف الروسية” ومن دون أن يستبعد “احتمالات أن يتم استخدام هذه المسيرات لتفجير أنبوبي الغاز الروسي -التركي” مشيراً إلى “مساعي أنقرة للحصول على قروض عاجلة من الغرب وهو ما سيلحق أضراراً بالاقتصاد التركي لأن الغرب سيطلب من أنقرة الالتزام بالإقرارات المفروضة على روسيا”، على حد قول بوتين.
وهو الموضوع الذي رفضه الرئيس أردوغان أكثر من مرة، على الرغم من الضغوط التي يتعرض لها من الجانب الأميركي ولا سيما الرئيس بايدن الذي أقنع الرئيس أردوغان بضرورة الموافقة على انضمام السويد وفنلندا إلى الحلف الأطلسي. في الوقت الذي يعرف فيه الجميع أن أنقرة لا يمكن لها أن تلتزم بالعقوبات الأميركية والأوروبية عموماً؛ لأنها تغطي نحو 50٪من استهلاكها من الغاز الطبيعي من تركيا فيما تستمر الشركات الروسية في عملها لبناء المفاعل النووي جنوب تركيا مع المعلومات التي تتوقع التوقيع على عقد آخر لبناء مفاعل نووي ثان في شمال البلاد على البحر الأسود، وهو ما تحدث عنه مسؤولو شركة روسآتوم الروسية وبتكلفة تزيد على 25 مليار دولار.
في الوقت الذي يعرف فيه الجانبان التركي والروسي أنهما بحاجة إلى بعضهما بعضاً، على الرغم من نقاط الخلاف ليس فقط للأسباب التأريخية بل أيضاً لأن تركيا عضو في الحلف الأطلسي وهي طرف مهم في مجمل المشاريع والمخططات الأميركية والغربية منذ انضمامها إلى الحلف عام 1952 ثم إلى حلف بغداد.
وهو ما جعل من تركيا طرفاً مهماً في مجمل معادلات المنطقة، كما هي الحال في مشروع الشرق الأوسط الكبير ولاحقاً ما يسمّى بـ”الربيع العربي”. وترى موسكو بدورها في تركيا منفذها الوحيد للمعاملات المالية المباشرة وغير المباشرة عبر المصارف التركية التي فتحت أبوابها على مصراعيها للرساميل الروسية التي هربت من الدول الأوروبية ويقدّرها البعض بنحو 200مليار دولار. في الوقت الذي يقدّر فيه آخرون حجم المعاملات التجارية والمالية الرسمية منها وغير الرسمية بما لا يقل عن 400 مليار دولار سنوياً إذ تستورد روسيا كل ما تحتاجه من مختلف المواد والمنتجات من تركيا، وهو ما يساعدها في تخفيف وطأة الأزمة الاقتصادية والمالية الخطيرة بعد أن رفضت العواصم المالية الغربية والدولية إقراض تركيا.
وسط المعلومات التي تقدر حجم الديون التركية المستحقة من شراء الغاز الطبيعي الروسي بنحو 60 مليار دولار لا يطالب بها الجانب الروسي في محاولة منه لكسب ود الرئيس أردوغان.
كل هذه المعطيات وتلك التي تضع العلاقات التركية-الروسية على محك التحديات المختلفة يبدو أنها ستستمر بتناقضاتها بسبب تداخلاتها المعقدة. فبعد أن تراجعت أنقرة عن استخدام صواريخ أس -400 التي اشترتها من روسيا بقيمة 2،5 مليار دولار، وكانت سبباً لتوتر جديد مع واشنطن وافق البنتاغون الأميركي بدوره الأسبوع الماضي على بيع تركيا 75 طائرة من طراز أف-16 على أن يتم تسليم الدفعة الأولى منها عام 2028 وهو عام الانتخابات الرئاسية في تركيا.
وصادف قرار الجانب الأميركي هذا حديث وزير الخارجية هاكان فيدان برغبة بلاده في الانضمام إلى منظمة “بريكس” بعد زيارته المهمة إلى الصين حيث زار منطقة الإيغور المسلمة، وأعلن عن تأييده بلاده لوحدة الصين وسيادتها.
وكان ذلك سبباً لانتقادات من الأوساط القومية التركية، بل وحتى البعض من الأوساط السياسية الغربية باعتبار أن الحديث عن سيادة الصين ووحدة ترابها يشمل في الوقت نفسه قضية تايوان.
وفي جميع الحالات وأيّاً كانت نقاط الخلاف والتلاقي بين الطرفين ليس فقط فيما يخص العلاقات الثنائية المباشرة، بل أيضاً تناقض سياسات الطرفين في كثير من المناطق وأهمها سوريا وليبيا والقوقاز، يبدو واضحاً أن الطرفين يتهربان من المزيد من التوتر الذي يعرفان أن الغرب سيستغله.
وهو ما يفسر الخلاف بين روسيا وتركيا في ليبيا، وفي المقابل العمل المشترك في مالي و بوركينا فاسو والنيجر ضد فرنسا وأميركا كما هو يفسر تجميد الملفات بين الطرفين في سوريا.
هذا من دون أن نتجاهل نقاط الخلاف التأريخية بين الطرفين الروسي والعثماني -التركي منذ العام 1550 حيث يتحدث التأريخ عمّا لا يقل عن 15 حرباً طاحنة بين الطرفين ومعظمها للسيطرة على البحر الأسود بسبب الصراع الديني والقومي بين الطرفين خلال فترات التاريخ المختلفة.
وجاء حديث الأوساط القومية التركية عن الأمة التركية من الأدرياتيكي إلى حدود الصين، وهو الشعار الذي رفعه الرئيس الراحل توران أوزال بعد سقوط الاتحاد السوفياتي وميلاد الجمهوريات المسلمة في القوقاز وآسيا الوسطى ليضع الطرفين أمام تحديات أخرى؛ لأن أنقرة ومعها الرئيس أردوغان ترى في القوقاز وآسيا الوسطى امتداداً للحلم القومي التركي العثماني في الوقت الذي ترى فيه موسكو حديقة خلفية لها ولا تريد لأحد أن يدخلها من دون إذن واتفاق مسبق معها!



