بين ضعف بايدن وشعبوية ترامب.. الولايات المتحدة تسلّم بفقدان ريادتها

بقلم: وسام إسماعيل..
كما كان متوقّعاً، لم يؤدِ الثلاثاء الكبير إلى حصول أيّة مفاجأة على مستوى نتائجه، حيث اكتسح الرئيس السابق دونالد ترامب حتى الآن، 12 ولاية مقابل فوز نيكي هايلي بولاية فيرمونت، بالتوازي مع حسم الرئيس بايدن لـ 14 ولاية من أصل 15.
وعليه، لم يعد من الضروري الانتظار حتى يحسم كل منهما حجز مقعده كمرشح لحزبه في الانتخابات الرئاسية المزمع إجراؤها في تشرين الثاني المقبل، إذ إن الشارع الأمريكي بالتوازي مع المستوى السياسي الأوروبي والدولي قد بدأ بالاستعداد لمرحلة التنافس المباشر بين الاثنين، مع ما سينطوي عليه هذا التنافس من نتائج على مستوى التوجّهات الداخلية والخارجية لكليهما، وما تعنيه هذه النتائج من تبلور لموقع الولايات المتحدة في المرحلة المقبلة.
ففي ظل الانقسام المجتمعي الذي ساعد دونالد ترامب في تغذية بذوره في الداخل الأمريكي خلال فترته الرئاسية السابقة، والذي شهدنا أعلى مراحله في 6 كانون الثاني 2021 يوم اقتحم أنصاره مبنى الكونغرس، بما عزّز فرضيّة تحوّل المجتمع الأمريكي نحو الانشغال بصراعات داخلية، إضافة إلى الترنّح الذي طغى على سلوك بايدن في سياساته الخارجية، برزت إشكالية البحث في موقع الولايات المتحدة الأمريكية على مستوى النظام الدولي، حيث قد يؤدي انشغال أيّة إدارة مقبلة بالتسويق لتوجّهها كعلاج كفيل بمعالجة هذا الانقسام إلى تراجع في اهتمامها بالقضايا الدولية، أو إلى تغيير آليات مقارباتها لهذه الإشكاليات.
فيما يتعلّق بالنموذج الأمريكي، يُفترض عدم قراءة سلوك الإدارة فيها على وفق الآليات الحاكمة نفسها لأيّ نظام سياسي آخر، لناحية التركيز في كيفية تمتين الجبهة الداخلية واعتبار مدى تماسك هذه الجبهة، معياراً حاكماً ينعكس فاعلية على مستوى السياسة الخارجية.
بالطبع، لا يمكن اعتبار كلا المرشحين بصفاتهما سببين وحيدين للأزمة المشار إليها، إذ إن الظروف الدولية التي طرأت منذ احتلال العراق عام 2003 قد فرضت نفسها عاملاً مؤثّراً أيضاً. فالتوجّه الدولي نحو محاولة ضبط السلوك الأحادي الأمريكي بما أدى إلى إفشال مخطط ما بعد احتلال العراق، ومحاولة تطويق القوى المناهضة كروسيا والصين والجمهورية الإسلامية بموقعها الإقليمي.
إضافة إلى تبلور توجّهات التعددية في سلوك تلك القوى وغيرها من خلال تأطير سياساتها الخارجية عبر تحالفات ومنظمات، قد ساهم في إظهار محدودية القدرات الأمريكية في ضمان عدم ظهور أيّ منافس، وساعد في تسليط الضوء على محدودية قدرات الرؤساء الأمريكيين التي كانت قد تكرّست في الوعي العالمي بعد انهيار الاتحاد السوفياتي على أنها خارقة.
فبنتيجة هذا الواقع الدولي المتبلور حول فكرة التعددية وحول التركيز الدولي على مساوئ الأحادية والتفرّد الأمريكي، إضافة إلى رفض أساليب الإملاء والفوقية وادّعاء المثالية التي واظب عليها رؤساء الولايات المتحدة منذ بوش الأب، بدأ المجتمع الأمريكي، خصوصاً بعد تولّي الرئيس السابق دونالد ترامب رئاسة الولايات المتحدة عام 2017 يستشعر فشل الرؤساء الأمريكيين في تكريس دورهم كمرجع معياري يضبط التوجّهات العالمية.
حيث إنّ توجّه دونالد ترامب لاستبدال مرتكزات الخطاب السياسي الأمريكي التقليدي، كقيم ومعايير عالمية، بأخرى شعبوية تستهدف إبطال أثر عقود طويلة من التنظير والتفكير الاستراتيجي، يتلاقى مع سلوك الرئيس الحالي جو بايدن لناحية التدليل العرضي على ضعف الولايات المتحدة الأمريكية من خلال عدم وضوح مدى فاعلية السياسات الخارجية الأمريكية، خصوصاً في أوكرانيا إلى غزة.
وعليه، يمكن التقدير أن المجتمع الأمريكي قد يتوقّف اليوم عن التفكير في كيفية الحفاظ على موقع أمريكا الريادي العالمي، ويوجّه اهتمامه نحو واقعه المنقسم على ذاته.
خلال الحرب الباردة وفي المرحلة اللاحقة حتى فترة رئاسة باراك أوباما، كانت الإدارات الأمريكية تدلّل على فاعلية في تنفيذ استراتيجياتها من خلال تركيزها على رسم أطر واضحة لسياساتها وأساليبها في المواجهة.
ويمكن من خلال خطابات رؤساء تلك المرحلة حول حالة الاتحاد لمس كيفية مقاربتهم لواقع الولايات المتحدة عبر محاولة تقديم رؤية تساعد في توحيد وجهات النظر بين كلا الحزبين، بما يمثّلانه على المستوى الداخلي، حول القضايا المهمة التي تواجههم.
وانطلاقاً من تفاعل الشارع الأمريكي مع هذين النموذجين الخطابيّين، من دون أية محاولة للبحث عن نموذج ثالث يصلح ليعبّر عن موقع الولايات المتحدة الذي يدّعي الريادة، يتمسّك جمهور كلّ من الرئيسين برؤية يصنّفها على أنها مثالية من دون أن يُخضعها لفحص يُقدّر من خلالها مدى توافقها مع المصالح العليا للولايات المتحدة، ويكتفي باعتبارها صائبة بمجرد دغدغتها لمشاعره وتوجّهاته الغرائزية.
وبالتالي، فمن خلال تقييد مصطلحات الخطاب السياسي لدونالد ترامب بقيود شعبوية تستهدف تجييش جزء من الشعب الأمريكي على وفق أسس عنصرية تتعلّق باللون أو الثقافة أو الدين من جهة، ومحاولة بايدن إثبات قدراته الذهنية وصحة خياراته السياسية على مستوى الاقتصاد وحربَي غزة وأوكرانيا من جهة ثانية.
وذلك من دون أن يسعى كلاهما لتقديم رؤية تساهم في رأب الصدع الذي يتعمّق بين مكوّنات المجتمع الأمريكي، وتعالج ترنّح الولايات المتحدة وعدم قدرتها على مجاراة خصومها في أكثر من مكان في العالم، يمكن التقدير أنّ كلّيهما، كمرشّحين نهائيّين للانتخابات الرئاسية المقبلة، قد سلّما بعدم القدرة على استعادة دور الولايات المتحدة المحوري، وأنهما سيكتفيان في هذه المرحلة بالتغنّي بإرث الأحادية وبتقديم نموذجيهما لأمريكا العظيمة كمادة انتخابية فقط.



