وحي البسطاء

نرجس ريشة
لم تكن “أم تيريزا” تجد صعوبة في دفع عربتها إلى سوق القرية. فقد اعتاد “أحمد” أن يستأنس بها فجرا وهو متجه إلى المسجد. يتبادلان دفء الحديث على طول الهضبة الممتدة من البيت إلى ساحة السوق.
هناك تنتظر فطائرَها الطازجة أفواهُ البحّارة المتجمّدة برداً و جَزعاً معاً، يتقبّلها العائدون عيداً لميلادٍ جديد، أما المغادرون فيُسرّونها وريدا يربطهم بمرفإ القرية حين تتلاطمُهم أمواج اليمّ، وما حدث يوما أن كانوا فيها من الزّاهدين.
ذاك صار ديدن “أم تيريزا” وأبناء القرية منذ أن حلّت عليهم منذ عشر سنوات، نازحة مع عوائل ثلاث أخرجها قصفٌ صديقٌ من أرضها.
وصلوا عِشاء، والناس جُلوس للتشهد الأخير. كان “أحمد” ـ ذو العشرين ربيعا إذ ذاك ـ أوّل مغادري المسجد، وأول من تبيّن وجوه العجائز المُنهكة، وأنات الصغار وهي تُخالط فتيل القناديل المحتضرة. وكانت “أم تيريزا” أول المُغمى عليهم.. تعباً؟ فرحة؟
أسرع إليهم “أحمد” تاركا خلفه صرخةَ استنجاد استنفرَتْ باقي الرّجال، وفتحت أبواب البيوت المُستفهِمة القريبة.
دبّت حركة غير عادية وقد استوعب أهل القرية أن العوائل الثلاث هي نصيبهم من قصّة النّزوح التي سمعوا عنها منذ أسابيع.
تهافتتِ النسوة إلى النسوة والأطفال، والرجال إلى الرجال، إلّا “أم تيريزا”، استخلصوها لأحمد، وكأنهم فطنوا كما فطِن للشبه الصارخ بينها و بين أمّهِ المُودعة حديثا مقبرة القرية.. ـ قريبٌ أنت يا إلهاً يجيب دعوة الداعي إذا دعاه ـ..
استعادت “أم تيريزا” وعيها على ستة عشر ربيعا تبتسم في وجهها: “فاطمة” زوجة أحمد.
ـ حمدا لله على سلامتك يا خالة.
تأخر الردّ: تيريزا، تيريزا..
صرخات متتاليات كانت أول كلمات الخالة بعد عودتها من الإغماءة.. وهل تُعيد الصرخات عشرينيةً داهمها المخاض في منتصف الرحلة، فالتحقَت و وليدَها بزوج خرج ذات صباح يروي الحقل ماءً فأغرقه دما.
ـ “المجد لله في الأعالي، وعلى الأرض السّلام، وبالناس المسرّة”.. دخلَتِ الخالة بعدَ ترديدها في نوبة صمت و(صوم) استغرقتها أياما، لم تيأس خلالها فاطمة من زرع بذور الحياة في صدرٍ آيلٍ للموت.
تعافت “أم تيريزا” في أسابيع، وهدأت الأوضاع في ثلاثة أعوام اختار بعدها السيد “داود” وأسرته العودة للوطن بعد أن علّم أبناء القرية النقش على الخشب، وتعلّمت زوجته فن الخياطة. ودّع أحفادًا زانت بهم كُبرى بناته بيت ابن حدّاد القرية، وغادر بعد وعدٍ بلقاء قريب.
اختارت “أم تيريزا “البقاء مع من بقوا..
أحبَّت اسمها أكثر من أفواه الصغار: خالة “أم تيريسا”، وما زالت تبتسم كلما ناولَت أحد البحّارة فطيرة طازجة وشاكسها: لا حرِمنا الله فطائرك يا “أم أحمد”..
يربو في صدرها الدعاء وهي ترتقي التلة رفقة أحمد، يربو.. ويربو. تستدفئ ببعضه، وتُودِعُ البعض المتبقّي حيث لا يدري أحد.
فلم يرَها أحد تحضر قدّاسا، بعد عامها الأول في حضن القرية..
ولم تُطْلِع أحدا على خبايا خلواتها التي فاقت خمسا بين نهار وليل..
أم تيريزا، أم أحمد، تلك اليد التي أخرجتها قبل عشرٍ من الجحيم لم تنظر أبدا لاسمها..
أينظُرون؟




