لا بأس.. دعونا نحلم ثانية مرور على أقنعة عبد شاكر

سعد السوداني
في مجموعته (أقنعة) الصادرة عن مركز أفكار للثقافة والفنون ـ طبعة ثانية ـ بغداد 2013 رصد الكاتب (عبد شاكر) جموع الحالمين بالتغيير ودوّن أحلامهم من دون كلل أو ملل. كان فَرِحَـاً وحالمــاً مثلهم تمامــاً يراه قريبــــاً بلا أدنى شك وحين استشعر طلائعه أطلق لمخيلته العنان فراح يرسم أحلامـاً على واجهات الدور وحيطان المدارس ودفاتر التلاميذ وعلى وجوه المارة وعلى شواهد قبور الأحبَة وخلسة على البوابات الحديد الصدئة لزنازين منسية ومن شدة فرحه خصّ المبحرين صوب شواطئ الغربة أو العائدين منها أحلامــــا أنيقة جذابة ثم قرر أن يستريح قليلًا بعد أن دبّ الوهن في جميع أوصاله بعدها نام نومة هانئة أو هكذا خُيِلَ لهُ حين توسد أرضية زنزانة باردة لمحقق مخمور اختزنتها ذاكرته المشوشة. لكنه لم يكن يعي أنه ( نام مطمئنـــًا لغده السعيد، لكنه لم يصحُ من حلم النهاية حتى هذه اللحظة) قصة طمأنينة ص 26. وإنه (بعد أن هرب من سجنه المنفى حرا لا شيء فوقه أو تحته غير زرقة السماء والبحر، اعتقلته الأمواج، فأصبحت أعظم أمانيه أن يصل إلى ساحل) قصة أمنية ص27. وإن الغد السعيد الحلم والساحل الأمنية ليس سوى وهم وإن ذروة العطاء والتضحية والبذل حين رحل أصحابها مضمخين بدم الشهادة إرتدّت على أتباعهم وقواعدهم الشعبية قتلا وسجونـــا ( أعطاهم القوّة والنفوذ والكراسي ورحل مستشهدا، عندما استمكنوا، منحوا قواعده الشعبية القتل والسجون)!. قصة ولي ص 38. إن ( للخيول أحذية، هرست رأس الفارس الشجاع، والحالم بالتغيير). قصة فارس ص62. وإن الثورة ( جثمان جدي..والحرب أشلاء أبي.. والحرية زنزانتي). قصة جثث ص 68. كذا صاحبة فعل التغيير التي (أسقطت الطاغية، أبادت الشعب، لكنها أنقذت قططــــا وكلابــــا سائبة…..). قصة تحضر ص 75. إذاً ما حصل كان وهمــــا ومسخرة بل هو انكسار وهزيمة فالحالم الذي ( فرح كثيرًا لأنه انتصر أخيرا لقضية إيجاده لفرصة عمل شريف، فلقد عُيِّن بكتاب موقع من مؤسسة السجناء السياسيين في إحدى دوائر الدولة في صباح اليوم الثاني ترك كتاب التعيين على طاولة ( السيد المدير) وخرج معترضـــا، لم يكُ غيره من يعلم بالأمر المهزلة، عندما وجد نفسه يقف وجهــــا لوجه أمام من تسبب بسجنه قبل أكثر من عشرة أعوام). قصة مخبر ص 99. (والأطفال حين خرجوا من بيوتهم وهم يرون سقوط الصنم في شاشات التلفزة، تجمعوا حلقات حلقات، لاشيء يعادل فرحهم البريء واحتفالهم بالتحرر. أمام بوابة المنظمة الحزبية استقبلتهم جدارية القائد الأوحد كأنها تقول لهم: ما زلتُ هنا). قصة مزامير ص 103 وتبلغ مرارة الانكسار والهزيمة ذروتها حين يُطلق (عبد شاكر) طيور الحب الملونة من أقفاصها فِرحَـــا حين يعتلي الجسر ويرى الشمس تتلألأ على صفحة نهر دجلة لكنها ( سرعان ما تساقطت قتيلة بدخان الكراهية الذي ملأ السماء منهيـــا فرحتها وهي تنطلق في أرجاء الفضاء الواسعة عاليـــا باتجاه الشمس). قصة حرية ص 106
ومثلما للانكسار ذروته كذلك للسخرية ذروتها (نشأ فقيرًا.شبّ حالمـــا بالمواجهة والتحدي والتغير والثورة، وما إن أصبح مليارديرا، حتى أصيب بالبلادة، وكانت أكثر المفردات التي تسبب لهُ الغثيان مفردة -الثورة-). قصة ثورة ص77 وربما هو نفسه الذي ( سألهُ الصحافي عن أقسى منفى واجههُ في حياته، أجابهُ: وطني)!! قصة منفى ص81 فبعد (حروب ومجاعات كثيرة، وجدوا أنفسهم مبتهجين برغم عظم المآسي، النتيجة غريبة وواحدة، لقد كان الكل يحمل خصالًا نادرة للغباء!) قصة خصال ص45 وإن تحولًا دراماتيكيــــًا في وعي الحالم بالتغيير يبلغ الذروة حين (تيقن من أكذوبة كبيرة تدعى الوطن، ظل حلم الخلاص يراوده أن يسكن في قبر مفتوح!) قصة وطن ص 48 ومعاتبـــًا وطنه بمرارة ( وقف على تلّة الأحزان معاتبـــًا: ما بالك َ يا وطني؟ ثم أبصر موتى الأوطان يتناثرون غبارًا فوق أعشاب ميتة، ولم يملك غير أن يدخل شوارع المدينة، ويمسح الغبار من واجهات جدارياتهم المتآكلة). قصة عتاب ص 84
حتى الحالمون عندنا يرى ( عبد شاكر) إنهم لا يشبهون الآخرين حتى بتكويناتهم وفعالياتهم البايلوجية الجينية الطبيعية فهم ( أصلاب/ أرحام/ حروب/ مقابر!) قصة حقيقة ص60
وحين يحضر تاريخ عبس وبطلها عنترة تراه مختلفـــًا عمّا اختزنتهُ الذاكرة الشعبية لبطولات عنترة بن شدّاد وحبه لعبلة مثلما يلقيها على مسامعنا ( القصّخون). فعبد شاكر يعيد توزيع الأدوار على الممثلين فيكون المحتل شدّادًا ويُضاجع بغداد عوضــًا عن زبيبة ويولدها عنترة مختلفاً بملابس مرقطة تجوب الشوارع والأزقة حاملًا قوائم المطلوبين بدلًا من معلقته الشهيرة- هل غادر الشعراء من متردمِ أم هل عرفت الدار بعدَ توههمِ ( دبابات الطاغية (حديثة الصنع) التي كانت تدك أزقة الثوّار، كان يقودها جُند فقراء انحدروا من الأزقةِ نفسها!) قصة أزقة ص69 أما شدّاد فيرعى قطيعاً من الذئاب(في قلب الصحراء، ضاجع المحتل زبيبة، فأولدها عنترة بملابس مرقطة. يومها كان شدّاد يسرح بقطيع من الذئاب). قصة زبيبة ص61
ويكشف لنا ( عبد شاكر) عن مفارقة مضحكة ومؤلمة في الوقت ذاته حين يرى إن ما آلت إليه صورة المقاتل الثمانيني (المقاتل الجريح، أطلق صرخة النصر والاستشهاد وهو يُركز الراية فوق الراقم الأخير. بعد عشرين عامـــا من الآثام،زارت مجموعة من السيّاح تلّة الراقم لالتقاط الصور التذكارية، دون أن يكترثوا لهيكل عظمي لمقاتل منتصر أحكم قبضتهُ على سارية راية أحنتها الأيام).قصة تذكار ص 86 هي بالضبط صورة المقاتل الحالم بالخلاص بعد أن خذله قائده (القائد الضرورة الجديد، دخن أحلام الفقراء، ثم أحرقهم جميعـــًا بِعُقبِ حلم الخلاص!) قصة قائد ص130 وإن حصاده (أقفل الرئيس كل الطرق بغية تهريب الأموال، نجحت ملحمة الشعب لنيل الشهادة والحرية. حاول المنتصرون إحصاء وكتابة حضارتهم فوق رمال صفراء ومياه شحيحة وأموالٍ مهربة، لكنهم اكتشفوا أن حرب التحرر أفقدتهم جميع أطرافهم، يا للحرية)! قصة حصاد ص88
إذًا الحكاية بسيطة جدا ،مواطن يحلم بالخلاص والتغيير فيكتشف أن حُلُمُهُ الذي تحقق محض وهم يقود إلى انكسار وخيبة وهزيمة لكنه على الرغم من ذلك عاد يحلم بالخلاص مجددًا (اكتشف أن المكان مقبرة كبيرة تضم الكثير من القبور وأن ثمّة تلالًا عالية تخفي وراءها الكثير من برك الدماء المتخثرة. الأمر الذي أثار غرابته وهلعه الشديدين أن ثمّة رؤوساً كثيرة كانت قد أينعت وتبرعمت ونبتت من باطن الأرض تمامــــــا كما تنبت الأشجار). قصة رؤوس ص49 وأن القطاف آتٍ لا ريب (صرخة القضية لمّا تزل تقضّ مضاجع عتمة السجون التي أقفرت من الموتى، لهذا أينعتْ الثمار). قصة ثمار ص 71 وأن محطة الخلاص ليست بعيدة (بعد أن تخلص من أعباء الآخرين وعلاقاتهم الفارغة وزيفهم، رحل وحيدًا إلى البعيد. هناك عند المحطة الأخيرة انفتحت أضلعه بقوة، مطلقة صوب السماء طائرا أبيض اللون، ثمة ألم وحزن، ورغم ذلك فإنهُ استنشق هواء نقيـــًا، وشعر للمرة الأولى بطعم الحرية). قصة محطة ص93
ومثل كل المذنبين أو المقهورين أو المظلومين أو العاجزين الذين يلجؤون إلى الله أو إلى أحلام اليقظة حين يُطبق الواقع المر عليهم وتتعطل حواسهم عن العمل والحل يفعل ( عبد شاكر) ذلك (ممتلئـــًا بخوفه وذنوبه ووساوسه بدا له الضريح بهيـــًا وبسيطـــًا وهو يتوسط غابة القبور الممتدة حتى خيط الأفق. دخل باحة القبر. كانت خطواته ثقيلة، وكان قلبهُ يدق بعنف. خاف أن يقترب إلى ذلك الشباك الذهبي الأنيق الصنع، خاف أن يبتهل أو يتلو قرآنــًا. وفي الوقت الذي كادت ظنونه تضيعه وهو يتلاشى في ظلمة الروح، كانت ثمة يد بيضاء تمتد إليه من داخل الضريح ممسدة صدره برفق، مانحة نفسه الأمارة طمأنينة غريبة). قصة مذنب ص111 وهذا حلم مضاف لأحلام ( عبد شاكر) مُهدى من القاص
قرر الحاكم باسمه!!
أولًا: إعدام خمسة مواطنين بتهمة الخيانة العظمى كانوا يحلمون بالتغيير!!
ثانيــًا: إعدام خمسمئة مواطن شاهدوا الخمسة الحالمين ولم يبلغوا عنهم!!
ثالثـــــًا:إعدام خمسة آلاف مواطن قرروا مقاطعة الأحلام لأنهم عطلوا الحاكم عن أداء واجباته الدستورية في إعدام الحالمين!!
رابعـــًا: ما يزال البحث جارياً عن خمسة ملايين مواطن قالوا: لا بأس دعونا نحلم ثانية!!




