اراء

الاستحقاق الرئاسي.. كيف يُواجه بوتين التحدّيات القائمة؟

بقلم: د. نواف إبراهيم..
إعلان ترشح فلاديمير بوتين في الانتخابات الرئاسية المقرر إجراؤها في 17 آذار 2024، في الواقع لم يكن خبراً جديداً، حتى قبل الهجوم على أوكرانيا والذي أدى إلى الغوص في حرب طويلة، ليس من السهل تحديد نهايتها (ما أكده بوتين نفسه في المؤتمر الصحفي التقليدي الذي يعقد في نهاية كل عام). كل الشكوك التي كانت تحوم حول عدم اليقين بمدى استعداد بوتين للبقاء في الكرملين حتى عام 2030 تم ضحدها، على أية حال، الأخبار في الواقع تكمن في أن بوتين هو المرشح الوحيد رسمياً في السباق الإنتخابي الحالي، وفي الأسابيع المقبلة سيقرر المتقدمون لخوض الإستحقاق ما إذا كانوا سيدخلون “االساحة” وكيف. بوتين يقدم نفسه ويتحدث باعتباره “مرشحًا مستقلاً” بهدف توسيع قاعدته الانتخابية بصورة مستقلة عن الجميع، معتمداً على نفسه، كونه يجسّد ذاته، أما النتيجة فهي محددة سلفاً، سيصبح “القيصر” سيد الكرملين للمرة الخامسة، حتى عام 2030، على الرغم من أن عمره 71 عاماً، بالنسبة لعميل جهاز الكي جي بي السابق، الذي حكم الاتحاد بنبض من حديد لأكثر من ربع قرن، فهو يتمتع اليوم بدعم أكثر من 80 بالمئة من الناخبين، لذا الواقع يقول أن الانتخابات ستغدو مجرد إجراء شكلي، حيث لا توجد معارضة فاعلة، ويمثلها منافسون غير واقعيين أو وجوه مشهورة مختارة بعناية، المعارضون الحقيقييون تم تحييدهم ودفعهم إلى الجانب الآخر.
مركز “ليفادا” نسبة تأييد الناخبين لأداء بوتين الوظيفي ارتفعت الى 85% بغض النظر عن أن هذا السباق ليس بالمهمة السهلة على من يريد المنافسة، خاصة وأن مستوى شعبية الرئيس في الداخل ارتفعت إلى عنان السماء على مدى العامين الماضيين على حساب المعارضة التي تبدو غير قادرة على تحدي سلطة “القيصر”، وفقاً لمركز “ليفادا”، وهو معهد ديموغرافي مستقل يجمع الإحصاءات الاجتماعية الأكثر موثوقية عن البلاد ( والذي يصنفه الكرملين على أنه “عميل أجنبي” منذ عام 2016 بسبب التمويل المحدود من الخارج)، فقد ارتفعت نسبة دعم الناخبين لأداء بوتين الوظيفي من 71% في شهر يناير،كانون الثاني عام 2022 عشية الهجوم على أوكرانيا، إلى 85% الشهر الماضي.
أما قبل بدء الهجوم، فكانت قد انخفضت هذه النسبة إلى 64% بسبب الإعلان عن إصلاح نظام التقاعد، مما أدى إلى رفع سن التقاعد إلى 65 عاماً للرجال في البلاد.، حيث يبلغ متوسط العمر المتوقع للرجال بحسب منظمة الصحة العالمية 66 عاماً. بهذا الصدد، فإن السؤال لايكمن فيما إذا كان بوتين سيفوز في الانتخابات، بل إلى أي مدى قد تتمكن المعارضة من الحصول على الدعم اللازم لبناء استراتيجيتها في الفترة التي تسبق عام 2030، عندها فقط، ربما في سن 78 وما بعدها، أي بعد مرور 30 عاماً على حكمه، سيقرر الزعيم الأطول خدمة في روسيا الحديثة التنازل عن العرش.
سياسة الأحزاب بمختلف توجهاتها تجاه المرحلة الراهنة
الحزب الشيوعي الروسي، الذي بقي عقب انهيار الحقبة السوفياتية، لا يزال حزب المعارضة الأول، لاشك سينجح و المرشح الأكثر موثوقية على الدوام كان بافل غرودينين، الذي شارك في انتخابات 2018، و حصل فيها على تأييد 11.77% من الناخبين. ومع ذلك، حتى هذا الترشح أصبح موضع تساؤل في الوقت الحالي، ربما بسبب الخلافات القائمة مع القيادي الحزبي البارز والمؤسس غينادي زيوغانوف، الذي كاد أن يفوز في انتخابات عام 1996 لكنه خسر في جولة التصويت الثانية أمام بوريس يلتسين، أول رئيس لروسيا بعد تفكيك الإتحاد السوفييتي.
أما الحزب الليبرالي الديمقراطي الروسي، الذي يتخذ مواقف قومية قوية على الرغم من اسمه المثير، يبحث عن خليفة جدير بالقيادة لمؤسسه ذو الشخصية الكاريزمية فلاديمير جيرينوفسكي، الذي توفي في نيسان الماضي. اليوم، يبدو ليونيد سلوتسكي، الزعيم الحالي للحزب، الشخصية الأكثر جدارة بالقيادة، رغم افتقاره إلى السلطة التي ميزت سلفه جيرينوفسكي، لكن ما يصب في صالحه هو أنه كان عضواً في الوفد الروسي الذي تفاوض مع أوكرانيا ابتداء من آذار 2022.
على الجانب الآخر اتخذ سيرغي ميرونوف،زعيم حزب “روسيا العادلة”، وهو حزب مستوحى من الديمقراطيين الاشتراكيين، اتخذ خطوة مشابهة لما سبقها في انتخابات عام 2018، إذ قرر عدم المشاركة في سباق الإستحقاق الرئاسي وفي الواقع دعم الحزب ترشح بوتين.

في نفس هذا السياق ظهر أخيراً حزب “الشعب الجديد” الليبرالي الذي تأسس في عام 2020 من قبل رجل الأعمال أليكسي نيتشيف، رئيس شركة Faberlic هي شركة عملاقة لصناعة مستحضرات التجميل والأدوية ، وفي انتخابات 2021، تمكن من الحصول على 13 مقعدا في مجلس الدوما، إذ وصل الى حاجز 5% من االجولة الأولى. مع ذلك، يعتقد الكثيرون أن هذا الحزب ولد فقط من أجل جذب أصوات المواطنين الأكثر استياء، وفي الوقت نفسه، يسلب الإعتراف بنافالني، الخصم الحقيقي الوحيد للنظام السياسي الحالي، يقبع في سجون الدولة ولا أخبار أخرى عنه منذ 6 كانول أول من العام الماضي. من جانب آخر من المرجح أن أحزاب المعارضة ستستخدم احتياطياتها في العمل بحلول نهاية العام الحالي من خلال تسمية مرشحيها جمعاً وبشكل رسمي، بمشاركة بعض المرشحين الآخرين من خارج محيطهم وفي الساعة الأخيرة. في نفس الوقت ضمن هذا التوجه، قدمت المذيعة التلفزيونية السابقة يكاترينا دونتسوفا، التي عارضت الحرب في أوكرانيا علناً، وثائق تسجيل ترشحها لكن لجنة الانتخابات المركزية رفضت طلبها بسبب “أخطاء” في الوثائق، كما ذكرت صحيفة “نوفايا غازيتا” الروسية. بالمقابل سيتعين على الجميع في شهر شباط الدخول في خضم الحملة الانتخابية، مع إنطلاق المناظرات العامة، طبعا لن يشارك بوتين في هذه المناظرات كالعادة، وهو المرشح الوحيد الذي لم يشارك قط في مناظرة تلفزيونية منذ انتخابه رئيساً لأول مرة.
شروط رأس الكريملين لتجميد القتال في أوكرانيا…!!!
من الجدير بالذكر ونحن نخط هذه السطور، وفقا لصحيفة نيويورك تايمز، أن بوتين، من خلال وسطاء، في أيلول الماضي قال إنه منفتح على وقف إطلاق النار الذي من شأنه تجميد القتال في ظل الظروف الحالية، وهذا أقل بكثير من طموحاته لجهة السيطرة على أوكرانيا. خبر مهم يؤكد أن الاتصالات جارية بشكل نشط بين عسكريي واشنطن وموسكو، لكن ينبغي قراءتها مع شرطين إلزاميين يهمان رأس الكرملين: أولهما الاعتراف بدوره كوسيط في تسوية أزمة الشرق الأوسط ،وفض مذكرة الإعتقال الصادرة بحقه عن المحكمة الجنائية الدولية، ومن دون إحراز أي تقدم سياسي فعلي في هذين الإتجاهين، فمن المعقول أن نفترض أن الحرب في أوكرانيا في نظر قيادة الكرملين سوف تستمر.
بالمجمل، كل هذه المتناقضات التي أتينا عليها أعلاه ليست سوى مرحلة لها خصوصية حادة الأطراف في مرحلة إنتقال حساسة على الصعيدين الخارجي وقبله الداخلي بالنسبة لروسيا والدول الأخرى المتداخلة في شبكة المتغيرات والتحديات القائمة و في مقدمتها الولايات المتحدة وأوكرانيا والتي بدورها تنعكس على الوضع العالمي ككل ليس كمربعات وانما مكعبات وموشورات مثلومة الأطراف، وما تخبئه طيات الأحداث حكماً يختلف ظاهرها عن مافي باطنها و يصعب إستيعابه إعتماداً على الإسقاط العمودي على شاقولية الأحداث، ليبقى الإنتظار سيد الموقف.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى