عصر النرجسية

مينا مثنى..
خلال السنوات الاخيرة أماط الصحفيون ومواقع الاخبار ومواقع التواصل الاجتماعي الناقلة لاخبار وسلوكيات مشاهير الشاشة ونجوم الرياضة والساسة الكبار ومشاهير السوشيال ميديا , عن اسلوب حياتهم المبني على خدمة مصالحهم الشخصية وأعتناق عبارة ” القوانين لا تنطبق علّي” التي تنم عن احساسهم بالتفوق على سواهم , وظهرت انذاك عبارات ومصطلحات مثل ” النرجسية” و ” الادمان” و” التنمر” وغيرها بصورة واضحة , في الوقت الذي كانت تقتصر فيه على كتب علم النفس وكتيبات العلاج والمحادثات المهنية في مرافق الصحة العقلية , لكن سرعان ما اصبحت هذه المصطلحات شائعة في قاموس المحادثات اليومية ومواقع التواصل الاجتماعي , حتى بات مصطلح النرجسية اكثر شيوعاً وفهماً .
اذا ما هي النرجسية ؟
تنحدر كلمة ” نرجسية” من قصة نرسيس ” نرجس” في الميثولوجيا اليونانية الذي حكمت عليه الالهة بالوقوع الى الابد في حب صورته المنعكسة على سطح بحيرة جبلية بعد رفضه حب ايكو حورية الجبل , تعلمنا المأساة في هذه القصة درساً اخلاقياً مفاده ان الجمال الحقيقي والجاذبية المحببة يبدأ عندما ينتهي حب الذات المسرف المفرط .
يصف قاموس كولينز باللغة الإنجليزية النرجسية بأنها “اهتمام استثنائي بالذات أو الإعجاب بها، فغالباً ما ينغمس النرجسيون في حب ذواتهم وينشغلون بالوصول الى المثالية ويضيق صدرهم من الاصغاء الى الاخرين او اظهار الاهتمام بهم , هذا الاستغراق في حب الذات يحرمهم من صلات حقيقية مع الاخرين , في حين تفتح لنا المجال لمعرفة الفارق بين حب النفس وحب الاخر , وتعلمنا كيفية الموازنة بين الاهتمام بالنفس والاهتمام بالاخرين .
كما ان النرجسي يعتبر فكرة الروابط العاطفية الودية نوعاً من الضعف او الشفقة !! لذلك يسعى الى نيل الاهتمام عن طريق السلوكيات البارزة من جهة والمستفزة من جهة ثانية .
صفات الشخص النرجسي :
- مستغرق في ذاته ( يتصرف كأن كل شيء يتمحور حوله)
- مجاز ( يضع القوانين ويخالفها )
- يحبطك ويتنمر عليك
- متطلب يأمر بما يريد
- شكاك ومغرور
- متوخ للكمال ( لديه معايير مرتفعة وصارمة اما أن تفعل الامور كما يريد او لا تفعلها )
- ساع للاستحسان ( يبحث دائماً عن التقدير والثناء )
- قاسٍ ( لا يبدي اهتماماً بمشاعرك )
- متجبر لا يمكنه الاعتذار
- متسلط وغير قادر على التخلص من عاداته السيئة
- يلجأ للغضب او التهرب عندما يعجز عن الاتيان بحل اوعندما لا تجري الرياح كما يشتهيها
- ينقلب عليك او يخفي شعوره بالاحباط او الاذى
- يطلب توضيحات وتفسيرات في المحادثات .
نحن نعيش في زمان تغيب فيه الخصوصية تقريباً وقد يكون تفسير هذا السعي المحموم الى المظاهر ناجماً ببساطة عن احتدام المنافسة في التنشئة الاجتماعية النمطية بين الجنسين .
فاليوم تغذي وسائل التواصل الاجتماعي النرجسية من خلال تشجيع النساء باستمرار على نشر الصور التي تثير الاطراء واعداد الصفحات الشخصية الالكترونية بطريقة تظهر تفردهن وتميزهن , حيث تلزمنا مواقع التواصل الاجتماعي بالترويج لانفسنا واظهار النرجسي الذي يعيش داخلنا . و يظهر القلق المتزايد في عصرنا هذا عندما نرى الفتيات الصغيرات يتنافسن لاظهار انفسهن بأحلى صورة على مواقع التواصل , وتتعزز اسباب قلقنا جراء بيانات النرجسية من استطلاعات الرأي عن طلاب الجامعات والشباب الذين يشيرون الى ثقافة التفرد والاحقية , وتحت مصطلح ( الديمقراطية النرجسية) يتبنى الشباب هذا النظام المتمثل في خدمة المصلحة الشخصية ويصبحون على قناعة تامة بأن أهم ما في الحياة هو الظهور بأبهى حلة والتفوق في كل شيء وان كان على حساب الاخرين دون الاهتمام بتأثير سلوكهم على الناس طالما لا يعيقون مساعيهم في الحصول على مايريدون .
في النهاية ليس جميع النرجسيون مستعدين للتغير , لكن مع ما يكفي من التأثير والحافز والمساعدة قد يتغير الوضع , كما أن من الصعب تغير صفات الشخصية النرجسية، ولكن من الممكن تغير بعض أفكاره، وذلك عن طريق جعله يقبل تشكيل علاقات اجتماعية مع زملاء العمل، والاعتراف بقدراتهم، وتقبل الانتقادات التي توجه إليه . .



