حقيقة الانسحاب الأمريكي من سوريا وعلاقته بالدعاية الانتخابية

بقلم: إيهاب شوقي..
انشغلت قطاعات كبيرة من الرأي العام، وكذلك اهتمت وسائل الإعلام العربية بتسريب يعد مادة دسمة للمتابعة والاهتمام، وهو التقرير الذي نشرته مجلة “فورين بوليسي”، والذي نقل عمّا وصفه مصادر في الخارجية الأمريكية والبنتاغون، أن واشنطن تدرس إمكانية سحب قواتها بشكل كامل من سوريا، لأن البيت الأبيض لا يرى ضرورة لبقائها هناك.
وبحسب التقرير، فإن الإدارة الأمريكية تجري حاليًّا، نقاشًا داخليًا حول موعد وكيفية الانسحاب، لكن القرار النهائي لم يتخّذ بعد. هنا ينبغي مناقشة هذا الملف على مستويين:
الأول: يتعلق بطبيعة التواجد الأمريكي في سوريا، وهل هو مجرد موطئ قدم أم هو تواجد جيواستراتيجي على صلة وثيقة بالصراعين الإقليمي والدولي، وبالتالي هل يكون الانسحاب مفاجئًا أو بمجرد قرار، أم يستدعي معارك كبرى لطرد المحتلّ وجعل الكلفة الاستراتيجية للتواجد أعلى كثيرًا من مكسب البقاء؟.
الثاني: يتعلق بالدعايات السياسية المواكبة للانتخابات الأمريكية وطبيعة المنابر التي تقوم بنشر التقارير، حتّى لا ينخدع الرأي العام العربي بالكثير من الدعايات ويحدث نوع من التشوش والبلبلة وخطأ الحسابات.
التواجد الأمريكي في سوريا هو احتلال وتمركز جيواستراتيجي عبر قواعد عسكرية تقوم بمهام اقليمية ودولية، منها ما يخص محور المقاومة وتواجده في سوريا وقطع تواصله، ومنها ما يخص التواجد الروسي.
وتتنوع الأدوار بين ما هو سياسي يخص حصار سوريا والسيطرة على ثرواتها ودعم قوات انفصالية والإضرار بسيادة سوريا ووحدة أراضيها، وبين ما هو لوجستي يخص القواعد العسكرية ودعم وامداد القوات الأمريكية بالمنطقة والحيلولة دون تركها خالية للروس، كما تستخدم هذه القواعد لحماية أمن الكيان الصهيوني.
وبالتالي فإن التقارير الاستراتيجية الرصينة تفيد بأن جزءًا من القوات الأمريكية يتولى مهمّة تدريب المقاتلين الأكراد من قوات سوريا الديمقراطية، ويتولى جزء آخر حماية المطارات وحقول النفط والغاز في الحسكة ومحافظة دير الزور المجاورة.
ويفيد تقرير مهم أعده “رافائيل فخروتدينوف” أن تعزيز واشنطن وجودها العسكري في سوريا، يأتي في إطار تصاعد الصراع بين الولايات المتحدة وروسيا في المنطقة. كما يشير إلى أن الخبراء يرون أن حشد مزيد من القوات الأمريكية في سوريا يأتي في إطار رغبة واشنطن في الضغط على موسكو.
وفي تموز 2023 وقبل طوفان الاقصى، نقلت الولايات المتحدة، معدات عسكرية ولوجستية كانت موجودة داخل العراق إلى قواعدها في سوريا. وبعض التقديرات تقول إن هناك ما يقارب 3000 جنديّ أمريكي في القواعد المنتشرة بمحافظات الحسكة، دير الزور وريف دمشق، في حين تتوزّع نقاط التواجد بين محافظتي دير الزور والحسكة.
وتتوزّع القواعد الأمريكيّة بشكل يطوق منابع النّفط والغاز السّوريّ المتواجد شرق نهر الفرات، وهو ما يُمثّل غالبية الثّروة الباطنيّة لسوريا.
والأهم هو أن أمريكا أقامت قاعدةً استراتيجيّةً لها في منطقة التنف، للسّيطرة على معبر التّنف الحدوديّ، الذّي حوّلته إلى قاعدة عسّكريّة عام 2017، وتقع في منطقة المثلّث السّوريّ العراقيّ الأردنيّ، وتتمثّل أهداف هذه القاعدة بشكلٍ أساسيٍّ في تعطيل الممّرات التّي تعتقد أن إيران تستخدمها، بهدف مواجهة “تمدّدها”، والعمل على قطعها لإضعاف موقف إيران العسّكريّ والاقتصاديّ، علاوةً على الأهداف المرتبطة بأمن المنطقة والمصالح الدوليّة.
وبالتالي فإن الانسحاب في هذا التوقيت وتحت وطأة هجمات المقاومة العراقية لا يتسق مع السياسة الأمريكية التي رفضت مغادرة العراق، وفي توقيت يتعقد به الصراع الدولي مع استمرار الحرب في أوكرانيا والشواهد التي تفيد بنجاحات روسية كبيرة بها.
على مستوى الدعايات الانتخابية الأمريكية، فإن مجلة “فورين بوليسي” محسوبة على الديمقراطيين، وهي مملوكة لشركة جراهام القابضة (GHC) والتابعة لعائلة جراهام، وتحديدًا أحفاد يوجين ماير، الذي اشترى صحيفة واشنطن بوست في عام 1933. وقد حافظت عائلة جراهام على سيطرتها على الشركة منذ ذلك الحين، حيث يمتلك أفراد عائلة جراهام، جزءًا كبيرًا من أسهم الشركة.
وتزامن تقرير “فورين بوليسي” مع تقرير آخر لصحيفة محسوبة أيضًا على الديمقراطيين وهي صحيفة “هافينغتون بوست”، والتي تحدثت عن التحضير للطلب من بايدن إقالة منسق البيت الأبيض لشؤون الشرق الأوسط، بريت ماكغورك، وقالت، إن هذه الفكرة تناقشها مجموعة من أعضاء الكونغرس يمثلون الحزب الديمقراطي. والسبب يعود إلى الحرب في قطاع غزّة، حيث يقولون، إن المنسق الذي بدأ حياته المهنية في عهد جورج دبليو بوش، له تأثير كبير في الزعيم الأمريكي الحالي، بل ويشكل صورته الإعلامية وهو مهندس مبادرة بايدن الرئيسة في المنطقة، وهي التطبيع السعودي الإسرائيلي.
والصحيفة المحسوبة على الديمقراطيين نشرت الخبر بعد تراجع شعبية بايدن وبعد تأييد أغلبية ساحقة من الديمقراطيين بمجلس الشيوخ الأمريكي بيانًا أكد مجددًا دعم الولايات المتحدة لحل “الدولتين” لإنهاء الصراع “الإسرائيلي الفلسطيني”.
أي أن تسريب تقارير تفيد بعدم تورط بايدن في الصراع وعدم تأييده المطلق للكيان الصهيوني والتضحية بماكجورك رجله المفضل وأحد الصقور الرافضين للانسحاب من سوريا هي خطوة لإعادة بعض من شعبية بايدن داخل أوساط القواعد الشعبية للديمقراطيين وهي تشكل أيضًا بعض الفوائد السياسية التالية:
1 – مغازلة لتركيا التي وافقت على انضمام السويد وبالتالي طمأنة بإمكانية تخلي امريكا عن قسد وترك أريحية لتركيا داخل سوريا.
2 – رسالة تحذيرية للسعودية بأن مهندس التطبيع الذي يتعامل بصبر ودبلوماسية مع السعودية ويتحمل مطالبها مقابل التطبيع قد تتم الاطاحة به وبالتالي قد يتغير السلوك الأمريكي.
ما يؤكد عدم صحة هذه الاخبار أيضًا أن ماكجورك الذي تفيد التقارير بنية الاطاحة به، يقوم حاليًا بجولة بالمنطقة ويزور مصر وقطر لمناقشة صفقات جديدة للإفراج عن الأسرى الصهاينة، وقد يزور السعودية بنية عدم ربط ملف التطبيع بالحرب الدائرة الآن.
أمريكا لا تزال تقود العدوان ولن تخرج من المنطقة، إلا تحت ضربات المقاومة والتي ستجعل من تسريبات تخرج بنية الدعاية الانتخابية، أخبارًا حقيقية ومشاهد تشبه الخروج الأمريكي من فيتنام وافغانستان بفضل صمود المقاومة وضرباتها.



