اراء

الثقة الزائفة

بقلم: علي الزعتري..

“هالة الثقة” وحرفياً “هواء الثقة” عبارة لا تعني بلغتنا شيئاً لأنها منقولةً حرفياً من الإنجليزية “Air of confidence”. عبارةٌ تُطلقُ على الشخص الممتلئ ثقةً بحيث تحيط به هذه الثقة إحاطةَ الهواء بالجسد. تجد هذا الشخص لا يكاد يلتفت لأحد إن تكلم وفعل. يملك ثقةً مفرطةً بالنفس ويقولون بالإنجليزية كذلك أنهُ “مملوءٌ بالهواء ” Full of air” كنايةً عن الشخص الممتلئ بالهراء مبالغةً، وتحريفاً لحقيقة شخصيته المهزوزة. 

نحن نقول بالعامية أنه “نافخ حالهُ عالفاضي” والكلمتان واحدةٌ عكس الثانية فكيف يكون النفخ والفراغ في حال واحدٍ معاً؟!

هناك أشخاص يحملون إحدى الصفتين، واثقٌ أو فارغٌ وقد يكون الواثق من نفسه كذلك فارغاً كمن يرغي ويزبد ويقول أي كلام. في عوالم السياسة كان الرئيس الروسي السابق يلتسين من النوع الواثق الفارغ، لكن، لا يمكن إلا أن تقول أن ڤلاديمير پوتين واثقٌ من نفسه وممتلئٌ بالنوايا.  فهو والرئيس الصيني يمتلكان ثقةً قويةً بأوزان بلديهما وشخوصهما. على نقيضهما الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الذي يبدو “نفخةً عالفاضي”. هو واثقٌ من نفسه لكنه من غير وزن.  آخر أفعاله غير الوازنة تعيين رئيس وزراء شاذ (من عائلة يهودية) وكما قالت الأنباء لم يعمل بوظيفةٍ من قبل وتعيين وزير خارجية شاذ أيضاً والشاذان هاذان كانا “متزوجين”. النتن ياهو وزوجته على النقيض فهما يمتلكان ثقةً صفيقةً لا حدود لها وغير موصوفة سوى بالكذب.  لكنها ثقةَ العارف بمواطن ضعف غريمهِ والواثق من قوة بطشهِ. هما يخيفانِ ويُغريانِ. يُخيفان عدوهما بالمعلومة السرية عنه وبالبطش، ويغريان آخر بمكاسب تُجنى مقابل التعاون. هما لا يختلفان عن كل سياسييِّ الصهيونية إلا في إشراك الزوجة في الدسيسة والقرار. كما من فرط الثقة فهما لا يهتمان بالقضايا المُثارةِ ضدهما ولا يهمهما نشر أخبارهما القذرة.  مثل جو بايدن ودونالد ترامپ وبيل كلينتون الذين يغوصون في وحل الفضيحة ويطفون عليها.  ثقتهم مبنيةٌ على قوتهم في النظام وعالم المال والإعلام. وانظروا مثلاً لمبعوث بايدن للبنان المدعو عاموس هوكشتاين، الذي يدين للصهيونية بالولاء المطلق، وتمعنوا في جلسته ونظرته. ثقةٌ بل تعالٍ غريب وكأنه يمتلك مفاتيح خزانات الأسرار كلها.

كما أننا نسجل للرئيس التونسي قيس سعَيِّدْ حضوره الثري بالثقة كأنه الترجمة الحرفية للعبارةِ التاريخية “يا جبل ما يهزك ريح”. الرجل يتابع حماية كرامة بلاده بلا هوادة وسيختلف معي الكثير الذين يرونه دكتاتوراً.  لكن مَنْ مِنْ قادتنا ليس أوحداً فريداً؟ كان الرئيس هواري بومدين كذلك. كنتَ تحسبهُ جلموداً في وقفته الوطنية. ينافسهما في أيامنا هذه ومن السلطة الرابعة وائل الدحدوح في ثقته بقضيته التي لا تقبل الجدل ولا تهتز حتى عند فقدان الأهل والضنى والتلد. وتحيط الهالةُ المُشِّعةُ بالثقة الهادئةِ هدوء الجبال أبو عبيدة وهو يُطمئنُنا بالنصر القريب. غير أن مِنَّا من هو مزدوج الثقة كذلك. قويَّ ثقةً علينا ومهتزَّ الثقةِ مع الغرب. معنا “يُبهدلُ” الوزير والغفير ومعهم يمسحُ يديهِ ويضمُّ رجليهِ ويزُمُّ شفتيهِ ويبتسم، خالي وفاض الثقة ببلده وشعبه.

 “طوفان الأقصى” الذي نثق بأهدافه أخذ ثقتنا لهذه الجهات الثلاث: المقاوم والزعيم والكراهية. نفهم المقاوم والكراهية لكن الزعيم؟ كيف ذلك؟ لقد وضعتنا غزة أمام الخوف من الدمار والدم و الجوع والتشرد، وحتى لو أنكرنا فإنَّ مجرد التفكير بأن يحدث لنا ما يحدث في غزة هو للأغلبية غير معقول أو مقبول. وضعت الحرب الشعوب أمام خيارين لا ثالث لهما وهما المقاومة مع الخوف من الدمار، والسلام مع الطأطأة للمحتل. الزعيم مزدوج الثقة يمنحنا السلام المطأطأ والأمن. وبما أننا لم نكن بفضل سياسات الزعيم مستعدين يوماً لنقاوم كما يقاوم الغَزِّيون ونتحمل ما يتحملون فكل ما نستطيع فعله هو الثقةَ بالزعيم المطأطأ ونحن بنفس الوقت نتعلق عاطفياً بالمقاوم ونثق به ونتمنى له النصر وتنمو عندنا الكراهية الأقرب للعنصرية من العدو ومناصريه. لكننا غير مستعدين بتاتاً للتضحية بغير بعض المقاطعة لهذه المادة وتلك. نحنُ ذوو ثقة منفصمة مبنيةٌ على الحلم بالنصر دون التضحية وبالسلام الآمن دون كرامة. وإلى أن نكون، لأننا لا نعدو كوننا خيالات بلا جوهر، فارغين، فإن ثقتنا هي كذلك ثقة الفارغين المتشدقين ببطولاتٍ لا نملكها وبأمانٍ وليد حالةِ سلام ذليل مهما أنكرنا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى