هل يعاني نتنياهو أعراض بركوخيا؟

بقلم: عميرة أيسر..
بدأت الحرب على قطاع غزة بعدما وجهت فصائل الجيش الفلسطيني ضربات مركزة وموجعة أصابت قادة الكيان الصهيوني بالصدمة، وجعلتهم في حالة من الذعر والحيرة والارتباك منذ 7 من تشرين الأول الماضي مما جعل نتنياهو رئيس الوزراء الصهيوني يعلن حالة الحرب رسمياً في قطاع غزة، ويقوم بتنفيذ عمليات عسكرية مكثفة في شمال ووسط وجنوب القطاع، من أجل القضاء نهائياً على قدرات فصائل الجيش الفلسطيني في غزة، وأهمها قدرات حركة حماس التي تعتبر أقوى فصيل مقاتل في القطاع المحاصر، حيث قامت هذه الفصائل بعملية خداع استراتيجي استمرت لعدة سنوات، وسمحت للقوات الإسرائيلية بالتوغل في شوارع ومدن القطاع المدمرة بفعل القصف الجوي المكثف والعشوائي، وطبقت نفس التكتيكات والخطط الاستراتيجية التي طبقها الجيش السوفياتي في معركة ستالين غراد، إذ تركت قوات الجيش الأحمر قوات الجيش السادس الألماني التي يناهز عددها 250 الف جندي لتتوغل في عمق مدينة ستالين غراد ثم عندما أصبحت تلك القوات بأكملها داخل المدينة المفخخة بالعبوات الناسفة والقنابل المضادة للدبابات والأفراد، تم حصارها من كل الجهات وقطعت خطوط امدادها فيما استمرت القوات السوفياتية في تلقى الدعم اللوجستي والعسكري عبر نهر الفولغا، ورغم أن هتلر قد منح منصب مارشال للجنرال فريديريك بلوس قائد الجيش السادس لحثه وتشجيعه على مواصلة القتال، ورغم انضمام الجيش الألماني الرابع المدرع لإسناد الجيش الألماني في ذلك الوقت، حيث اضطر الألمان للتّخلي عن استراتيجية البرق الخاطف التي طبقها الجيش الاسرائيلي بحذافيرها في غزة، والتي استمرت لعدة أيام، بالإضافة لاستخدام قوة نيرانية كبيرة مهولة أدت لسقوط عشرات الآلاف من الشهداء، ولكن كل ذلك لم تكن له فاعلية تذكر أمام حرب المدن التي خسرها الجيش الألماني، واضطرت قواته للاستسلام بعد 6 أشهر بتاريخ 2 فيفري/فبراير 1943م. بتاريخ 27 تشرين الأول 2019م، في مقال بعنوان (ستالين غراد.. المعركة التي غيرت مجرى الحرب العالمية الثانية).
وكأن التاريخ يعيد نفسه، إذ أن القوات الإسرائيلية حدث لها بالضبط ما حدث للجيش الألماني في ستالين غراد، ولم تتمكن القوات الإسرائيلية المحتلة من تحقيق أية عملية تقدم ميداني على الأرض، وتكبدت خسائر هائلة في الأرواح والعتاد، دفعها لسحب لواء غولاني الذي يعد لواء النخبة في الجيش الصهيوني في فضيحة عسكرية كبرى لم تحدث من قبل، وهو الذي يعتبر من أقدم ألوية الجيش في تل أبيب، إذ شارك في كل حروب هذا الكيان المجرم القاتل للنساء والأطفال والشيوخ ضدّ الدول العربية، وهذا ما أصاب نتنياهو وحكومته بحالة من السعار جعلتهم يكثفون عملياتهم ضدّ المدنيين الأبرياء العزل في القطاع، وفي الضفة الغربية دون حساب للعواقب مادام أن الولايات المتحدة الأمريكية مستمرة في دعمهم لتنفيذ مزيد من جرائم القتل والابادة الجماعية، فهذا الكيان الغاصب وجد قادته أنفسهم أمام مأزق سياسي وعسكري غير مسبوق، إذ قاموا بإعلان الحرب على قطاع غزة دون التفكير في تداعياتها و تبعاتها على مستقبلهم السّياسي والعسكري، أو فيما قد تجره عليهم من ويلات وكوارث، تماماً كما فعل بركوخيا قائد التمرد الثاني ضدّ الحكم الروماني في فلسطين المحتلة (133-135 ق.م) الذي لم تكن له القدرة الكافية ولا الخطط العسكرية والتكتيكية لهزيمة الرومان، كما أنه لم يقم باستشارة أحد من كبار الحاخامات أو أعيان اليهود عند قيامه بهذا الأمر، وهو ما يشبه إلى حدّ كبير تصرفات نتنياهو، والعديد من كبار المسؤولين في الكيان الصهيوني مما جعل قائد المخابرات العسكرية الأسبق اللواء يهو شفاط حركي والمتخصص في الشؤون العربية الإسرائيلية يدق ناقوس الخطر، ويطلق على تلك التصرفات اسم أعراض بركوخيا، وهي رفض الحوار مع الأغيار، والانغلاق على الذات، والانتحار في نهاية الأمر، كما وصف استجابة المستوطنين للانتفاضة بأنها تعبر عن هذه الأعراض الانتحارية (الموسوعة اليهودية الصهيونية) مارتن لوثر، كتاب اليهود وأكاذيبهم ص 121-122.
فهذا الكيان الذي وجد نفسه يخوض حرباً على عدة جهات تتوسع باستمرار لم يعد قادراً على تحمل حجم الخسائر الكبيرة جداً التي يتكبدها على الأرض سواء من النواحي السّياسية أو العسكرية أو الاقتصادية أو حتى المجتمعية مع ازدياد حجم التظاهرات التي تطالبه بوقف الحرب في غزة، والتوصل لحل لموضوع الأسرى المحتجزين لدى حركة حماس، لأن المواطن الاسرائيلي لم يعد يتحمل حالة اللأمن و اللاستقرار والرعب والخوف والهلع التي يعيشها يومياً، والتي أدت لإصابة الآلاف من الصهاينة بأمراض نفسية وجسديا مزمنة، وادمانهم على تعاطي المسكنات والعقاقير التي تساعدهم على النوم، مع تزايد تلك التقارير التي تؤكد بأن الجيش الفلسطيني في غزة لا زال قادراً على الصمود والمقاومة بعد مرور أكثر من 85 يوماً على القتال، بالإضافة لفشل إسرائيل في تحقيق أهدافها الاستراتيجية المتمثلة في تهجير سكان قطاع غزة كما كنت أول من أشار إلى ذلك في الإعلام المكتوب مع بداية عملية طوفان الأقصى، بالإضافة للقضاء على قادة حركة حماس المهميّن وعلى رأسهم يحيي السنوار وأخوه محمد السنوار الذي يعد القائد الفعلي والحقيقي لكتائب عز الدين القسام ومحمد ضيف ومروان عيسى، الذين تحملهم تل أبيب المسؤولية الكاملة عن تلك الهجمات
لذلك فإن العلاقات المتوترة داخل الكابنت، والهزائم المتكررة ستدفع نتنياهو لاتخاذ قرار بتوسعة الحرب وليس لإنهائها كما يتوقع الكثيرون، لتشمل جبهات أخرى كالجبهة المصرية كما قلت في مقالات سابقة، مما يعني دخول منطقة الشرق الأوسط في حرب اقليمية كبرى كما هو مخطط لذلك قبل 10 سنوات تؤدي لتغيير موازين القوى في المنطقة والعالم، والبداية لتدمير هذا الكيان السرطاني الاستيطاني التوسعي وتحرير كامل الأراضي الفلسطينية المحتلة.



