اراء

كسر الزمن الأمريكي

بقلم: أحمد فؤاد..

(وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ).

تستمر عجلة التاريخ بالدوران، ومع دورانها السريع والمتلاحق، وفيما تدهس المشاهدين العاجزين المستسلمين بغير رحمة لا يستحقونها، تمنحنا بعض المواقف الدروس العبقرية الواعية، لمن قرر الانتباه والقراءة والفهم. البعض يسير بأقصى طاقته، وبما يتجاوز قدراته الذاتية حتى، نحو الهاوية. رهنت الغالبية من الدول العربية أوراق قوتها في عهدة السيد الأمريكي، ولجأت إلى حضن الصديق الصهيوني الدافئ، بحثًا عن دعم رخيص وعن شرعية لأنظمتها، واتكلت على ما تجود به الأيام من عطاياهما، هذا إن جاءت من الأساس.

في هذه الظروف العصيبة وفوران الفعل المقاوم في “طوفان الأقصى”، لم يعد أمام الأمة العربية إلا أن تجرب العلاج بالكي وبالنار، كواحدة من أنجع طرق حفظ الحياة والدم، وأن تتوقف عن سرد لوائح وقوانين تبعيّتها لزمن الأمريكي ولنظامه العالمي الشيطاني. لم يعد أمامها من فعل نبيل سوى أن تحاول جاهدة أن تحارب الآخرين وتحارب الظروف، وتحارب نفسها إن لزم، وتبذل كل ما في استطاعتها وقدراتها وقواها الحية المؤثرة لتعبره، وتفرض على هذا العالم احترامنا وتصون حقنا، حقنا في الحياة على الأقل.

خرج قائد حركة أنصار الله السيد عبد الملك بدر الدين الحوثي بالحلقة المفقودة، في عالمنا العربي الفقير التعس، بخطاب فارق في توقيته وفارق في لغته وفارق في موقفه الناصع القاطع، هو أكبر من أن يُقال عنه خطاب تاريخي، هو توجيه قائد حقيقي رأى الريح عاتية فخرج إليها بنفسه وأهله ومن معه، يقدم درس الفداء قبل أن يتكلم، ويضرب للجميع المثل العالية بقراره وخياراته، لم ينتظر وإنما تقدم هو إلى حيث أراد أن يكون، في أول الصفوف وأغلاها، أن يحوّل كقائد ملهم المحنة إلى فرصة أمام شعبه اليمني وأمام شعوب الأمة، وأن يكسر بحزم وثقة وإيمان سيف التهديدات الأمريكي الذي أذل أعناق أشباه الرجال في منطقتنا العربية، وفي غيرها.

خطاب السيد عبد الملك الحوثي لا يحتاج إلى إضاءة على كلماته، والتي جاءت أوضح وأفصح من أي تعليق، وموقفه في ساحة المواجهة الشريفة منذ اللحظة الأولى لاشتعال “طوفان الأقصى” أبلغ من كل وصف، وأبقى من كل مدح يستحقه اليمن وقائده الكبير، لكن على خلفية هذا الخطاب وبتوقيته وبظرفه الدقيق، لا بد من التوقف عند نقاط قد تكون كاشفة للأبعاد الكاملة والعميقة للموقف اليمني ومغزاه في هذه اللحظة التاريخية الفارقة.

اليمن ينتمي إلى عالم عربي ممزق أشد التمزيق، يمكنك في صور تظاهرات هذا الشعب لنصرة غزة أن ترى، وجوهًا مألوفة واعتيادية، هو شعب يشبهنا بأدق تفاصيل الحياة اليومية في القاهرة وبيروت ودمشق وبغداد، قد تختلف درجة الأوجاع وظروف الحياة ودقائقها أو تتغير اللهجة وأسماء شوارعنا، لكنّنا أمة واحدة، انتماؤها واحد ومصالحها واحدة ومستقبلها مشترك، وقبل هذا كله تحدياتنا الكبرى هي السيطرة والنفوذ الأمريكي الذي يُعرف كإمبراطورية ورثت الإمبراطوريات التي سبقتها أهمية السيطرة على موقع العالم العربي، وزادت عليه الموارد الاقتصادية، ما استوجب على الأمريكي الإلحاح على السيطرة إلى درجة القتل إن كان ممكنًا.

في هذا السياق، وفي شبه الجزيرة العربية بالذات، كان اليمن هو الجائزة الكبرى للولايات المتحدة، اليمن بالنسبة إلى الجزيرة العربية كلها هو مركز الثقل الحضاري والخزان البشري، لا شيء في جزيرة العرب يسبق أو يحلم من الاقتراب من الحضارة اليمنية، وعدد سكان دول الخليج مجتمعة أقل من ثلثي عدد سكان اليمن، واليمن هو الدرع المنيع لمحيط هش ورخو لا يقف على أقدام ثابتة ولا تسنده أرضية صلبة، ويتحمّل تاريخيًا أعباء الدفاع وتوفير أسباب الدعم وموارد الاستمرارية لمحيطه، باختصار اليمن هو الحقيقة الوحيدة في فراغ الجزيرة العربية.

تعرض اليمن، خلال عقود طويلة ماضية، إلى سلسلة من تجارب الدم والألم ومحاولات القتل أو التفتيت، سواءً بنظام عسكري فاشي متعاونًا إلى أقصى درجة مع آل سعود، تنازلَ بثمن عن حقوق البلد وأرضها، ثم في عدوان عسكري مباشر، عبر الأذرع الأمريكية القذرة في المنطقة، السعودية والإمارات ومصر والسودان، في محاولة استنساخ فاشلة للتجربة الصهيونية الأفشل- للتعامل مع شعبنا الصامد في فلسطين، عبر مجازر استهدفت الأسواق والأطفال والمدارس منذ 2015، وحتى اليوم يستمر العدوان والحصار على هذا الشعب البطل بكل شكل ممكن، وبأية طريقة متاحة، وفي ظل صمت دولي مشبوه وعربي حقير.

خطاب قائد اليمن العزيز يقدم خلاصة خلاصات الحكمة والإدراك والوعي، ثمن المقاومة فادح لكنّ ثمن الذل أفدح، وقبل ذلك، ترفضه نفوس الأحرار.

اليمن وحده بدأ كتابة الدرس العربي الجديد، ولادة من أضلع العدم، ومخاض استمر لسنوات طوال أمام حرب كونية، بكل ما تحمله الكلمة من معنى، احتشد فيها العالم -إلا قليل- رغبةً في تدمير هذا البلد، وكسر إيمان أهله، وسرقته من أصحابه الأصليين، لكنهم لم يجدوا هنودًا حُمرَ آخرين، بل وجدوا أرواحًا من بدر وكربلاء، وإيمانًا يليق بأهل السماء والصديقين.

في مقابل التضحيات التي قدمها اليمن، فإنه خرج من الحرب الإجرامية الأمريكية، فاعلًا رئيسًا في معادلات المنطقة، وطرفًا وازنًا فيها، قادرًا على الحركة الواسعة في الإقليم، متحمّلًا لتوابعها ونتائجها، يستطيع أن يترجم إرادته إلى شروط تفرض فرضًا على كل الأطراف، والأهم: أنه يفعل كل هذا بتصميم وعناد يليق بتاريخه وإيمان شعبه بقضايا أمته، والتزامًا بما يفرضه عليه هذا الإيمان، وما يخططه هو لمستقبله.

في المقابل، سقطت دول عربية -كانت- كبرى تحت حكم وسيطرة “مندوبين” للسفارات الأمريكية في قصور الحكم، خونة وأغبياء بلا حدود ولا مدى، وفي ظرف “طوفان الأقصى” فإنّ أوضاعًا عربية انكشفت وتعرّت وفضحت على رؤوس الأشهاد، طفت الحقيقة بكل الخزي والعار أمام العيون، مصر – مثلًا- الدولة العربية الأضخم بشريًا، والتي تمثل قاطرة لأمتها في مراحل قوتها وعنفوانها، باتت أعجز وأقل من أن تفتح معبرًا على حدودها هي، إمدادًا لشعب عربي يُذبح ويجوّع بيدها وخنوعها قبل يد عدوها وسلاحه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى