اراء

البحر الأحمر بين الميثولوجيا الصهيونية ومدافعات اليمن

بقلم: محمد حسب الرسول..

في حكايا بعض العبرانيين من المؤرخين ورجال الدين إشارات إلى مكانة خاصة حظي بها البحر الأحمر في الميثولوجيا التوراتية والصهيونية. تقول هذه الحكايا إن البحر الأحمر كان يهودياً في الماضي، وأن علائق وصلات ربطت بين قدماء اليهود والبحر الأحمر تعود إلى القرن العاشر قبل الميلاد، وردد المؤرخون المعاصرون من الصهاينة أن البحر الأحمر سيبقى يهودياً في الحاضر والمستقبل كما كان في الماضي.

وفقاً لتلك القصص، فإن سليمان بن داود قد اتسعت مملكته بإضافة البحر الأحمر ومملكة سبأ، واتسع وجدانه فتزوج امرأتين من شاطئي البحر، ابنة أحد فراعنة وادي النيل من الشاطئ الغربي، وبلقيس من الشاطئ الشرقي، أنجب من الثانية ابناً اسمه بن صيرة، وتمضي السردية لتقول إن إمبراطور إثيوبيا هيلاسيلاسي هو حفيد الملكين سليمان وبلقيس، وهذه رواية شائعة في أوساط يهودية، وفي أوساط مسيحيين ومسلمين ينتمون إلى إثنية الأمهرا في إثيوبيا.

كانت قصص المؤرخين ورجال الدين وسردياتهم عن البحر الأحمر حاضرة عند قادة الحركة الصهيونية وقادة “الدولة” منذ المؤتمر الأول للحركة الصهيونية في بازل عام 1897، وقد عززت سردياتهم فرص اختيار فلسطين لإقامة مشروع “الدولة اليهودية”. تجلى رسوخ تلك السرديات بشكل عملي في خطة الاستيطان الصهيوني في فلسطين قبل قيام “الدولة” وبعدها، ففي عام 1938 بدأت عمليات الاستيطان في جنوب فلسطين، في النقب، ثم في أم الرشراش عام 1949، ثم سيناء وشرم الشيخ وجزيرتي تيران وصنافير عام 1956.

عند مناقشة الجمعية العامة للأمم المتحدة خطة تقسيم فلسطين عام 1947، أبدت الحركة الصهيونية اهتماماً بالغاً بجنوب فلسطين، ومارست ضغوطاً كبيرة على أميركا ليكون جنوب فلسطين من نصيب “الدولة اليهودية”، وتحقق لها المراد. وحين اكتمل بناء ميناء أم الرشراش “إيلات” في عام 1951، أعلن ديفيد بن غوريون أن أساطيل داود وسليمان ستشق طريقها من جديد في البحر الأحمر.

يقول ساسة وأكاديميون، إن أحد أبرز أهداف العدوان الثلاثي عام 1956 يكمن في استكمال تحقيق أهداف حرب 1948، وترسيخ ربط “إسرائيل” بالبحر الأحمر عبر إنعاش ميناء أم الرشراش “إيلات”، الذي ظل خاملاً خمس سنوات بعد افتتاحه، بسبب إغلاق خليج العقبة في وجه الملاحة البحرية، وبسبب تطبيق أحكام مقاطعة “إسرائيل” تجارياً خاصة في قناة السويس وفي مضيق تيران وصنافير، الأمر الذي انعكس سلباً على مستقبل النقب وعلى الأوضاع الاقتصادية فيها، وانعكاس ذلك على عمليات توطين المهجرين من الصهاينة فيها.

انطلاقاً من تلك الميثولوجيا الصهيونية، تأسس إطار نظري عام لنظرية الأمن القومي الإسرائيلي، ففي عام 1923، نشر مؤسس وزعيم الحركة التصحيحية الصهيونية وما يسمى الأب الروحي لليمين الإسرائيلي، “زئيف جابوتنسكي” (1880-1940) مقالين حملا عنوان “الجدار الحديدي”، أورد فيهما مقولته المعروفة: “أن التوصل إلى اتفاق مع العرب غير ممكن، لأنهم لن يتخلوا عن أرضهم وحقوقهم، وبالتالي فإن الصراع معهم أمر حتمي”، وزاد على ذلك بقوله: إنّ السلام مع العرب سيصبح ممكناً فقط بعد إلحاق هزائم عسكرية قاسية بهم؛ ما يدفعهم إلى تقبّل وجود “إسرائيل”، والاقتناع بعدم جدوى مقاومتها عسكرياً.

ويقول جابوتنسكي كذلك: “ثمة ضرورة لإقامة جدار حديدي من قوة عسكرية رادعة، تبنى لإلحاق هزائم عسكرية قاسية بالعرب، وبما يكفي لتوليد اليأس في قلوبهم ودفعهم إلى التنازل عن فلسطين، وتقبّل وجود إسرائيل، وإقناعهم عبر الهزائم بعدم جدوى مقاومتها عسكرياً؛ حينها سيصبح السلام مع العرب ممكناً“.

من هذين المقالين، ومن تلك المقولات التي شرحت أطروحة الجدار الحديدي، نسج ديفيد بن غوريون الإطار العام لنظرية الأمن القومي الإسرائيلي التي قامت على ثلاث ركائز هي: التفوق الاستخباري والردع والحسم السريع. وقد أسقطت عملية “طوفان الأقصى” التي أطلقتها حركة حماس تلك الركائز جملة واحدة، وبضربة قاضية، حين أثبتت عملية “الطوفان” الفشل الاستخباري الإسرائيلي مقابل التفوق الفلسطيني، وحين أكدت قدرة ردع المقاومة مقابل تراجع ردع الاحتلال، وعندما أثبت أداء المقاومة في غزة قدرة فائقة في الصمود تكسرت على صخرتها سرعة الحسم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى