اراء

العدوان على غزة.. قراءة في المشهد الأردني

بقلم: ضرار البستنجي..

فيما تتشابك الملفات، وتتخذ الأحداث، منحنى تصاعدياً متدحرجاً، على وقع العدوان الصهيوني الدموي المدمّر والمستمر، لليوم الخامس والأربعين على قطاع غزة، في محاولة للانتقام وطمس صورة الانتصار الكبير المزلزل التي فرضتها عملية طوفان الأقصى في 7 تشرين الأول الفائت، والبحث عن أي إنجاز يرمم ما تشظّى من معادلة القوة والردع والجبروت الصهيوني والهيمنة والقدرة الأمريكية المطلقة، تشرّع أبواب المنطقة على كل الاحتمالات، في مشهد يؤكد أن معركة القطاع المحاصر المقاوم اليوم تتجاوز حدوده وحدود فلسطين المحتلة إلى الإقليم برمّته، وربما إلى العالم.

الأردن الذي برز ساحةً مهمةً في الحدث الحالي، بحكم التأثر والتأثير الذي يربطه بالحدث الفلسطيني تاريخياً، وبحكم الموقع والموقف، يعيش اليوم واحداً من أدق مفاصل تاريخه حساسيةً وخطورة في واقعٍ يستحضر خيارات الماضي واستعصاءات الحاضر وفرص المستقبل، ما يستدعي قراءة عميقة شفافة لتفاصيل المشهد الأردني بعين الحرص والبناء باتجاه استخلاص الدروس واتخاذ المواقف بما يناسب المصلحة الوطنية والدور الذي يليق به.

إلى ذلك، حمل اليومان الماضيان، حدثين لافتين في الساحة الأردنية؛ حديثاً لنائب رئيس الوزراء الأسبق د. محمد الحلايقة على هامش لقاء إذاعي قال فيه: “إن وزير الخارجية الأمريكي بلينكن طرح خلال لقائه الملك في عمان أن يستقبل الأردن 300 ألف مهجّر من غزة، على أن تتكفل الولايات المتحدة بالتكاليف… والطلب رفضه الأردن”، ومشاهد مصورة تظهر آليات عسكرية أردنية تتجه نحو الحدود مع فلسطين المحتلة.

وفيما تغيب عن وسائل الإعلام المساعي أو الضغوط المتصاعدة نحو التهجير، ولا تنقل أخبار أو مشاهد القوات العسكرية الأردنية المتجهة نحو الحدود الشمالية الغربية -باستثناء حديث عابر يفيد بذلك جاء على لسان النائب في البرلمان الأردني عمر العياصرة مساء الأمس- يسهل على المتابع أن يقرأ في تطورات المشهد الأردني والمواقف الأردنية قلقاً بالغاً وحركة في أكثر من اتجاه منذ أيام، وبشكل ينسجم مع الاستنفار الدبلوماسي والإعلامي الأردني المتصاعد الذي انطلق مع الساعات الأولى لبدء العدوان الصهيوني الدموي الهائل على قطاع غزة.

في قراءة للحراك الرسمي، يُرصد بوضوح، أنَّ الأردن ينطلق في قراءته ومقاربته لتطور الحدث الفلسطيني من 3 عناوين رئيسة: استمرار كيان الاحتلال في استغلال الدعم الأمريكي الغربي المطلق لتحقيق مشروعه القديم المتجدد بتصفية القضية الفلسطينية وتهجير الفلسطينيين انطلاقاً من ثوابت الكيان التي تريد الأردن وطناً بديلاً للفلسطينيين، ثم الخشية من توسع رقعة الحرب لتشمل ساحات اشتباك أخرى بين قوى المقاومة ومحور واشنطن -“تل أبيب”، وأخيراً التحسّب من انعكاسات الحدث على الواقع الداخلي للأردن.

وبالعودة قليلاً إلى ما قبل أحداث اليوم، يمكن استذكار جملة من المعطيات التي عزّزت القراءة الرسمية الحالية للمشهد، إذ ظهرت إلى العلن قبل نحو 3 أعوام سردية أردنية أشارت بوضوح إلى تعاظم الاستهداف الممنهج للأردن؛ الدولة والدور والجغرافيا -وكنا قد أسهبنا في تحليلها عبر مقال مفصّل قبل أشهر عدة- وكانت الإشارة إلى استهدافٍ مصدره الكيان وبعض حلفاء واشنطن من العرب، عماده الأساس تصدير أزمات مشروع المحتل نحو الجغرافيا الأردنية، والتضييق السياسي والاقتصادي على الأردن، ومحاولات تجريده من أوراق التأثير والدور في المنطقة، مروراً بالعبث في استقراره الداخلي، الذي تجلى في قضية الأمير حمزة؛ الأخ غير الشقيق للملك عبد الله، في نيسان 2021، والتي اصطلح عليها رسمياً “قضية الفتنة”، والتي شملت مسؤولاً أردنياً سابقاً كان يعمل مستشاراً رفيعاً في دولة خليجية وازنة.

يدرك الأردن إذاً مطامع العدو التاريخية، ويدرك أن الدعم الأمريكي الحالي المطلق بالمال والسلاح وحاملات الطائرات والموقف السياسي، مضافاً لها أزمة نتنياهو العميقة، قد يترجم إلى استغلال الواقع لاستكمال مشروع تصفية القضية الفلسطينية، عبر محاولة اجتثاث المقاومة وتغيير الواقع في قطاع غزة، وصولاً إلى الضفة الغربية التي تحظى بالأهمية الكبرى ضمن مشروع العدو، ولاسيما مع المضي في مخطط تهجير الفلسطينيين من قطاع غزة برغم تراجع التصريح بذلك وادّعاء إدارة بايدن رفض ذلك عبر تصريحاتها حول رفض التهجير القسري من القطاع المحاصر الذي يتعرض لحرب إبادة هائلة وتدمير ممنهج لكل سبل العيش من مصادر مياه وطاقة ورعاية صحية وبنى تحتية، في مخطط لجعله غير قابل للحياة.

العين الأردنية هنا على الموقف المصري وعلى المخاطر من تحوّل آلة القتل الصهيونية نحو الضفة الغربية، ما يفسر تنامي التنسيق الرفيع المستوى مع الحكومة المصرية التي تتخذ حتى الآن موقفاً حاسماً ومهماً في مواجهة مشروع التهجير، عبر رفض فتح معبر رفح أمام محاولات دفع أهالي القطاع للنزوح باتجاه سيناء المصرية، على وفق المخطط القديم المتجدد، وإن كان هذا لا يعفي الواجب في فرض فتح المعبر لكسر الحصار القاتل على القطاع وأهله.

يفسر ذلك الاهتمام الأردني الكبير بالوضع في الضفة الغربية والتحذير المبكّر والمتصاعد من مخاطر الوضع هناك، وخصوصاً مع الاستمرار في تسليح المستوطنين وإطلاق يدهم في الاستهداف الدموي الممنهج للفلسطينيين وتعطيل الحياة وتزايد الدعوات لمغادرة أهالي الضفة باتجاه الأردن عبر صفحات صهيونية استحدثت لهذا الغرض في منصات التواصل، مع تزايد الاقتحامات الليلية المستمرة لمدن الضفة ومخيماتها وتزايد أعداد الشهداء والأسرى وتنفيذ العمليات والقصف والتجريف الممنهجين، والحديث الصهيوني المتصاعد الذي يتمحور حول الشكل المستقبلي (المقبول) للسلطة الفلسطينية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى