أصعب قرار هدنة في تاريخها.. إسرائيل تتجرّع كأس السم

بقلم/ كمال خلف..
بات محسوماً، ان ثمة اتفاق هدنة تم ابرامه بين المقاومة الفلسطينية وإسرائيل عبر الوسيط القطري، وان الإعلان عن هذه الهدنة، سيكون في الساعات المقبلة، حسب بعض المصادر الفلسطينية.
تفاصيل الاتفاق سوف يعلنها الوسيط القطري وليس الطرف الفلسطيني أو الإسرائيلي. وملامح هذا الاتفاق قبل الإعلان عنه، تبدو مكتملة وملخصها خمسة أيام يوقف فيها القتال بشكل كامل، تفرج المقاومة عن نحو خمسين محتجزا من المدنيين بمعدل 10 كل يوم، مقابل إطلاق إسرائيل عدداً “غير معروف الى الان” من الأسرى الفلسطينيين من النساء والأطفال في سجونها، والسماح بدخول المساعدات الإنسانية والوقود عبر معبر رفح جنوبا. وبانتظار الإعلان الرسمي عن البنود، يواجه المشهد القائم حاليا في غزة، أسئلة ملحة تحيط بهذه الهدنة، سنحاول في عجالة وضع تصورات وتقديرات لها.
الثابت الان، ان إسرائيل جنحت الى الموافقة على الهدنة نتيجة تطورات الميدان العسكري، وتصاعد قدرة المقاومة على تنفيذ العمليات ضد القوات الإسرائيلية المهاجمة وايقاع الخسائر فيها، بالتزامن مع تصعيد حزب الله هجماته على الجبهة الشمالية ورفع وتيرة الاستهدافات ومداها، بالإضافة الى عملية احتجاز القوات المسلحة اليمنية، سفينة إسرائيلية في البحر الأحمر، وتهديد سفن الاحتلال والولايات المتحدة وحركة العبور في باب المندب “هذا تحول استراتيجي ببعد إقليمي دولي”.
وبدرجة أقل يأتي الالحاح الأمريكي على الحكومة الإسرائيلية للذهاب نحو ابرام الهدنة. والثابت أيضا، ان قبول هذه الهدنة تحديدا هو أصعب قرار هدنة ربما في تاريخ إسرائيل، لان مبادرة الحرب لم تكن في يد الدولة العبرية هذه المرة وهي سابقة لم تحصل إلا مرة واحدة في تاريخ الصراع عام 1973، وان الهجوم في ٧ أكتوبر كان كارثة على الاحتلال ومستوطنيه، في حين اعتادت إسرائيل على ان تكون المبادرة في العدوان، ومن ثم لا ضير في ان تذهب الى هدنة لوقف النار ولو بشروط لا تنفذ منها شيئاً.
من المؤكد، ان إسرائيل تدرك انه بمجرد اعلان وقف نار ولو بشكل مؤقت دون ان تحقق شيئاً من أهدافها المعلنة، يعني شيئا واحدا “الهزيمة” والفشل. الوقت الممنوح لها من الولايات المتحدة والدول الغربية كان كافيا لتحقيق شيء ما في الميدان. 46 يوما من العدوان والقصف والتدمير والمجازر والتوغل والبحث واقتحام المستشفيات والمدارس ودور العبادة مع حصار خانق ومشدد لم يأتِ بصورة نصر واحدة، ولابد في النهاية من تجرع كأس السم “الهدنة”.
التساؤلات الان في ضوء الهدنة تتمحور حول تأثيرها في الميدان والقتال، هي بلا شك وكما يقدر قادة إسرائيل سوف تخفض من اندفاعة الجيش في غزة، هم بالأساس خفضوا عديد قوات الاحتياط وقاموا بتسريح جزء من القوات المقاتلة، بسبب ما قالوا الأزمة في الاقتصاد، بالمقابل الهدنة سوف ترفع من معنويات المقاومين الفلسطينيين، وستعتبر اعلان نصر ولو مرحلي على العدوان. فقد حققت المقاومة معجزة بالصمود والنزال في الميدان، وقدرة على إيقاع خسائر كبيرة، فضلا عن افشال كل الأهداف التي دخلت إسرائيل من أجلها الحرب.
على المستوى الإنساني والاغاثي، وقف القتال ولو لأيام سيكون فرصة لتخفيف المعاناة، واستعادة شيء من القدرة على عمليات الإغاثة والاعمال الطبية، ولملمة الجراح. هي أيام ليست كافية لكل ذلك، فحجم الكارثة والدمار كبير جدا. كيف ستسير أعمال الإغاثة، وما هو حجم ما سوف يدخل من معبر رفح لتخفيف المعاناة، هذا سيتم اختباره في أيام الهدنة المعدودة. المؤكد ان العالم في الأيام الخمسة سيكون أمام صورة أكثر صدمة من الصور والمشاهد التي تابعها خلال العدوان للجرائم الإسرائيلية، الهدنة ستكشف جانبا أكبر من الفظائع وحجم الاجرام والابادة الإسرائيلية. وهذا سيزيد من المأزق الإسرائيلي في فضاء الرأي العام العالمي.
أما صفقة التبادل، وهنا جوهر الهدنة، فهو أولا ثبت انتصار إرادة المقاومة، فهم قالوا للاحتلال منذ البداية العدوان لن ينفع، ولن تحصل على أي أسير إلا بالتفاوض غير المباشر والتبادل، لكن هو ذهب الى تحدي تحريرهم بالقوة والتدمير والاجرام، ووقع في فخ مستشفى الشفاء واحراج مستشفى الرنتيسي، وحصد في المحصلة فضيحة، ثبت تفاصليها المتحدثون العسكريون وهم يجهدون لعرض مشاهد أصبحت مثالاً عالمياً للسخرية والتندر، وصدمت الرأي العام بحجم سذاجتها وضعفها.
وثانيا: اخراج عدد محدد أو جزء من الأسرى وبقاء آخرين، لن يخفف ضغط المجتمع الإسرائيلي على حكومة نتنياهو، ما سيحصل هو العكس. أهالي الاسرى المتبقين سيشعرون بالغضب والأمل معا. الغضب لان الصفقة شملت مواطنين دون آخرين من ذويهم، والأمل هو ان التفاوض والاتفاق مع المقاومة هو من سيجلب لهم ابناءهم، وليس عنتريات نتنياهو وغالانت وقتل الأطفال وتدمير المنازل.
وهذا ستكون له صلة في مرحلة ما بعد الأيام الخمسة، مواصلة إسرائيل لشن الحرب على المقاومة الفلسطينية سيكون أصعب، والأرجح ان الولايات المتحدة، ستأخذ إسرائيل باتجاه تمديد الهدنة الى هدن، والاستمرار في التفاوض. مواصلة إسرائيل القتال بذات الزخم بعد الهدنة هو انتحار سياسي وعسكري واعلامي. الحرب بعد أول هدنة تكون قد أغلقت فصلا مهما من الدروس والعبر، ووضعت قواعد التحولات في الصراع بشكل عام. لن نجازف بالحسم ان الحرب عمليا انتهت، سنترك الأيام المقبلة تحسم ذلك.



