اراء

المحاور الاقليمية التي كشفتها عملية “طوفان الأقصى”

بقلم: د. رامي عياصرة..

أي منطقة في العالم يمكن أن تشهد محاور متعددة حسب مصالحها وارتباطاتها الاستراتيجية مع القوى العالمية، وأحيانا القوى الاقليمية الأخرى المؤثرة، في منطقة الشرق الأوسط، ثمة محاور متعددة أيضا، بعضها قديم ولكن الجديد في المشهد اليوم هو ما انطوى عليه من إزاحات كبيرة غيرت من خارطة المشهد الرسمي العربي والإقليمي، وبات يحتوي على محاور عدة هي:

المحور الاول: ما تبقى من محور الاعتدال العربي والمتمثل اليوم بشكل واضح في الاردن ومصر، حيث يقدم مواقف تستنكر الحرب الاجرامية على قطاع غزة ويطالب بوقفها فورا مع رفض قاطع لمخططات التهجير التي تعشش في رؤوس القادة الاسرائيليين، كما تستمر في المطالبة بحل سياسي للقضية الفلسطينية بدلاً من استخدام القوة العسكرية والحلول الأمنية، ويتمثل الحل السياسي للقضية الفلسطينية بحل الدولتين الذي يتواءم مع القرارات الدولية والذي يعد أراضي الـ67 أراضي محتلة يجب الانسحاب منها.

ولكن سمة هذا المحور انه لا يتعامل مع المقاومة الفلسطينية وعلى رأسها حماس إلا بحدود الضرورة والحدود الدنيا مع أنها تتقاطع معه في كثير من الملفات ذات الطابع الاستراتيجي والأمني والذي يخدم مصالحها العليا أبرزها ان المقاومة تشكل حائط الصد عنها تجاه المخططات الاسرائيلية منها ايجاد وطن بديل للفلسطينيين في الأردن (الخيار الاردني)، وترحيل الغزيين الى سيناء، وهو ما كشفت عنه المعركة بوضوح.

المحور الثاني: محور المتصهينين العرب الذي ظهر جلياً بعد الاتفاقات الابراهيمية. هذا المحور وقح وشريك في الاجرام، وقد تجاوز كل ابجديات القضية الفلسطينية العروبية والاسلامية بشكل سافر، وينكر الحقوق الفلسطينية حيث لا يطالب بدولة فلسطينية مهما كان شكلها، ويقف بكل علانية وقبح في صف دولة الكيان بشكل كامل.

موقفهم واضح في ليس ادماج دولة الكيان بالمنطقة واعتبارها جزءا طبيعيا منها فحسب، بل والتحالف معها وتوسيع العلاقات السياسية والاقتصادية والتنموية، حتى لو كان ذلك على حساب باقي الدول العربية الاخرى التي كانت صديقة بالأمس القريب .

وهذا المحور للمتصهينين العرب خطير على الأمة وعلى الشعوب العربية بأسرها ويتوجب الانتباه لمخططاته وتحركاته ومجابهته بكل قوة.

المحور الثالث: محور عاجز بشكل كامل أو جزئي وهو خارج المعادلة، إما لانشغاله بانقساماته الداخلي أو لضعفه وعجزه وقلة تأثيره مثل السودان وليبيا وبعض الدول العربية الأخرى.

المحور الرابع: محور يعدد خياراته، وله هوامش واسعة في المناورة السياسية، ويمتلك علاقات جيدة ومهمة مع القوى العالمية من الامريكيين والغرب وكذلك مع الصين وروسيا، وفي الوقت نفسه يمتلك علاقات مفتوحة مع حماس وقوى المقاومة، ويتبنى في ذات الوقت الحلول السياسية للقضية الفلسطينية المتمثلة بحل الدولتين.

هذا المحور يتمثل بقطر وتركيا والجزائر على وجه التحديد. وهو بالمناسبة محور مستفيد من علاقاته بكل الاتجاهات لأنها تثقل من وزنه السياسي وتعطيه ميزة عن الآخرين.

المحور الخامس: محور “المقاومة والممانعة” وقد اثبتت معركة طوفان الأقصى على أرض الواقع أنه محور موجود (لا نستطيع انكاره عند القراءة الموضوعية) ومتماسك وفاعل الى حد بعيد، وهو الذي يشكل الضفة المقابلة لدولة الكيان الصهيوني..

صحيح ان هذا المحور لا يؤدي اثناء المعركة ما يطلبه الجمهور، ولكنه وبشكل واضح وعلني يدعم قوى المقاومة الفلسطينية ماليا وعسكريا، وهو الأقرب إليها والمتبني لمطالبها ونهجها سواءً أكان ذلك بشكل ايديولوجي بنيوي أم بطريقة تقاطع المصالح السياسية، بكل الأحوال لا فوارق عملية على أرض الواقع وفي ساحة هذه المعركة.

هذا المحور يشاغب ويشاغل الامريكيين ودولة الكيان ضمن الهوامش المتاحة له والتي يقدرها هو سياسيا وعسكريا خاصة في جنوب لبنان من قبل حزب الله وكذلك ما يجري من مهاجمة القواعد العسكرية الامريكية في سوريا والعراق (أكثر من 38 هجوماً كما أعلنت وزارة الدفاع الأمريكية) بالإضافة لهجوم متكرر من الحوثيين على ايلات عبر البحر الأحمر بمسيرات وأحيانا صواريخ باليستية.

الكثير من الدول العربية غير قادرة على إطلاق تصريحات تدعم فيها حق الشعب الفلسطيني في المقاومة المسلحة، في حين نجد “محور المقاومة” يطلق صواريخ ومسيرات واشتباكات تخفف الضغط ما أمكن عن غزة ومقاومتها التي تصمد وتؤدي ما عليها ببطولة وبسالة وتشكل حالة إلهام لكل شعوب العالم التي تسعى الى الانعتاق والتحرر.

مَن يريد دعم ومساندة مقاومة غزة وأهلها والشعب الفلسطيني، فالمجال مفتوح الآن ولاحقاً سواء من انظمة ودول عربية واقليمية أم من قبل أحزاب ومنظمات أو حتى افراد وعموم الشعوب العربية والإسلامية والعالم.

مَن يرى أن المقاومة بأنها خطر يوازي الخطر الصهيوني فعليه المسارعة الى الاستثمار في حماس والمقاومة، ولا حجة لمن يبقى في مربع التخوفات وكيل الاتهامات وتوزيع الأوصاف والنعوتات دون القيام بخطوات واجراءات عملية تغير المعادلة وصولا الى تبني سياسات تتلاءم مع التطورات والتحولات التي فرضتها وستفرضها معركة طوفان الأقصى وبوقت ليس ببعيد.

في حين وباعتقادي أنّ حماس وقوى المقاومة معنية بالانفتاح والتعاون مع كل محور وكل دولة أو جهة في العالم تخدم القضية الفلسطينية وتسند حقوق الشعب الفلسطيني سواءً تقاطعت معه كلياً أو جزئياً، وهذا حق بل انه واجب الشعب الفلسطيني الذي ضحى وقدم الشهداء والدماء على مدار أكثر من سبعة عقود أن يستفيد من كل جهد سياسي ممكن يحقق له امانيه وتطلعاته ويثبت حقوقه المشروعة.

بالمجمل فان معركة طوفان الأقصى وما قامت به حماس يوم 7 أكتوبر هزّ الغربال في المنطقة وأعاد وسيعيد ترتيب المنطقة وأولوياتها، ورؤية القوى الكبرى في العالم تجاهها، وقد اعاد بالفعل الألق للقضية الفلسطينية وكأنها بدأت للتو .

ولعله من المبكر القدرة على قراءة نتائج وتداعيات هذه الحرب الأهم في تاريخ القضية الفلسطينية. والى ذلك الحين الذي ينجلي فيه غبارها وتترسخ حقائقها على أرض الواقع، فستبقى القراءات مجتزأة ولكنها بكل الأحوال وبلا أدنى شك، كبيرة ومتعددة الأوجه والقراءات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى