سموتريتش والمناطق العازلة في الضفة.. هل يفعلها الكيان الإسرائيلي؟

بقلم: محمد جرادات..
عميقة عقلية الجُدُر في النفسية الإسرائيلية، وهي انعكاس للشعور الدائم بالعزلة عن المحيط، منذ خيبر وعزلتها كقلاع حصينة في قلب صحراء الحجاز، مروراً بأحياء الغيتو الاجتماعي والجغرافي المغلق يهودياً في أوروبا، حتى أول مستعمرة صهيونية في قلب فلسطين.
اعتاد الإسرائيلي العيش في ظل جزر صحراوية، وسبق أن لاحظ نجاح فرسان الهيكل البروتستانت، في مستهل النصف الثاني من القرن التاسع عشر، في إقامة سبع مستعمرات ألمانية، كانت أُولاها قرب حيفا، في ظل الدولة العثمانية، وهو ما حفّزه على التأسّي بها، بعد أن لمح نجاحها في العزلة عن الوسط العربي، فاستلهم عزلتها ليقيم لاحقاً أولى مستوطناته في بتاح تكفا وريشون لتسيون وروش بين وزخرون يعقوب، وغير ذلك، قبل المؤتمر الصهيوني الأول في بازل عام 1897.
ولأنهم “شعب الله المختار”، وليس أيّ بشرٍ ممن خُلق، فلا يجوز لهم الاختلاط بالشعوب والأعراق الاخرى. وأعمق ما يظهر هذا الحمق النفسي، عند وزير المالية الإسرائيلية، بتسلإيل سموتريتش، وهو زعيم الصهيونية الدينية، الحزب الأكثر تطرفاً في الكيان الإسرائيلي، وهو يلحّ على رئيس حكومة الكيان، بيبي نتنياهو، مطالباً بإقامة مناطق عازلة حول مستوطنات الضفة الغربية، والذي بدوره أحال المقترح على الفحص الرسمي.
يأتي مقترح سموتريتش هذا بشأن إقامة مناطق عازلة حول مستوطنات الضفة، في ظل محرقة وحشية يشنها الكيان ضد غزة، ويهدف من خلالها إلى تحقيق أهداف عدة، أحدها إقامة منطقة عازلة شمالي غزة، على حساب الوجود العمراني لبلدتي بيت لاهيا وبيت حانون، واللتين تخضعان حالياً لاحتلال الدبابات الإسرائيلية، في ظل التحام ميداني مباشر بالمقاومة فيهما طوال الوقت.
وسبق لسموتريتش أن طالب بإحراق بلدة حوارة الفلسطينية، بعد تكرر العمليات الفدائية فيها، وهو ما ترجمه أتباعه بإحراق الشارع الرئيس في البلدة، ليأتي اليوم في مقترحه بشأن إقامة مناطق عازلة حول المستوطنات، وتسلّح بجملة من العوامل المواتية:
أولها: تذرعه بالعامل الأمني مستدلاً بعبور السابع من أكتوبر، في مستوطنات غلاف غزة. فلو كانت هناك مناطق عازلة بحسب زعمه، لما نجح هجوم الطوفان، متناسياً أن غزة مخنوقة بجدر شاهقة ومنغرزة في عمق الأرض، وأسلاك شائكة على امتداد مسافات ومساحات واسعة، بالإضافة إلى أن عبور المقاومة امتد حتى جنوبي عسقلان.
ثانيها: تأكيده خطورة موسم قطف الزيتون عند الفلسطينيين، انطلاقاً من أن الأراضي الفلسطينية محاذية للمستوطنات، متناسياً أن هذه المحاذاة نتجت في الأصل من تغول الاستيطان على حساب القرى الفلسطينية.
ثالثاً: التأييد الغربي الواسع للحرب الإسرائيلية على غزة، في ظل ضعف السلطة الفلسطينية في الضفة وهشاشتها، مع التواطؤ العربي الرسمي. وهو ما شجع سموتريتش على استغلال هذه اللحظة التاريخية الفارقة، لتوسيع الحرب على الضفة، وهو ما ابتدأه كابينت الكيان بتوسيع العمليات الأمنية في الضفة بموازاة المحرقة في غزة.
ويبدو سموتريتش هنا تعجّل في التعبير عن شهيته الاستيطانية، فمازالت الحرب في أوارها، برغم التأييد الغربي والتواطؤ العربي والتقدم الهش للدبابات الإسرائيلية في شمالي غزة، فمازالت المقاومة تقاتل بشراسة، وهي تحتفظ بأسرارها وقدراتها الصاروخية، مع ضبط إيقاع ميداني لافت.
يأتي مقترح سموتريتش هذا، ليس لتوفير الأمن لمستوطني الضفة، بحسب ظاهر زعمه، ولا لضم الضفة، بحسب تخوفات السلطة الفلسطينية، على الرغم من احتماليته الواسعة حتى في ظل الحرب الراهنة، لكن سموتريتش يستغل حالة الغلوّ والتوحش وعدم الاتزان التي تسيطر على الكيان الإسرائيلي، من أجل القضاء على الوجود الفلسطيني في الضفة، بصورة كليةّ، في موازاة حرب الإبادة في غزة.
إقامة مناطق عازلة حول مستوطنات الضفة تحمل في أحشائها تغييراً شاملاً للخريطتين السياسية والديمغرافية، وهي مع غيرها تمثل معوّقات حقيقية لهذا المشروع، رغم الجوّ الملائم على خلفية الحرب المستعرة، انطلاقاً من أن إقامتها تعني:
أولاً: تجزئة كاملة للضفة لتصبح كانتونات منفصلة، من دون أدنى تواصل جغرافي، حتى داخل منطقة واحدة، مثل الخليل أو بيت لحم أو نابلس، على نحو يفوق جنون صفقة القرن التي طرحها ترامب، والتي ماتت في أرضها حتى عند أهلها.
ثانياً: القضاء على بديهية الحل السياسي، الذي تتنفس منه السلطة وأجهزتها، كما أنظمة التطبيع. وهو حل لن يبقى له مع مقترح سموتريتش أدنى فرصة، حتى في المستوى الاقتصادي المحلي، وربما الإقليمي.
ثالثاً: إقامة “دولة” المستوطنين لتصبح منافسة لـ”تل أبيب” و”غوش دان”، وهو ما يسبب شرخاً بنيوياً في الكيان، على المستويين الأفقي والعمودي، على نحو يهدد نفوذ التيار اليميني الليكودي مع التيار الليبرالي لأحزاب الوسط، فضلاً عن اليسار، ويعطي الصهيونية الدينية سلطة مطلقة في الكيان على حساب كل التيارات.
لكن الضفة ـ كما غزة ـ تعوّل بدمها النازف كالشلال، على استعصاء أهلها، والقتال حتى الرمق الأخير، وهي تقف على أبواب تحولات، يستشعر فيها الكيان متلازمة الثمانين من سقف عمْرِ كل حقبه التاريخية، بينما هي، كما غزة، تعبُر على أشلاء حاضرها لتبتلع وحشية المحتل، وكل خطط عزل مدنها وأريافها عن وريد تواصل ينابيعها الأصيلة، فلا أرئيل ولا قدوميم يمكنهما أن يعزلا زيتون سلفيت وقلقيلية عن نبض هذا الشعب، وهو اليوم يقرر مصير العالم.



