دور خلية الأزمة الأمريكية في تفعيل التناقضات الإسلامية

بقلم: محمد جرادات..
يواصل العقل الأمريكي مفتعل الأزمات، مشروعه الخبيث لضمان تجزئة المجزأ في الأمة الإسلامية والشعوب المقهورة على امتداد العالم. وفي سعيه المحموم هذا، يلجأ إلى تجديد آليات عمله عبر تجييش أدواته الإقليمية التي يتطلب تفعيلها تكوين خلية أزمة أو مجلس طوارئ لمكافحة كل محاولات النهوض المعادية للهيمنة الأمريكية في العالم.
وليس ثمة تناقض يلعب عليه الأمريكي في مشروعه أكثر من تسعير الصراع المذهبي وتفعيل الانتماء القومي والتباكي على حقوق المرأة الشرقية، وهي عناوين كافية لتجنيد الأدوات المستلبة حضارياً، وخصوصاً عندما ينكشف عري بعضها بإشهار ثلاثتها معاً، فلا يتنبه الطائفي للمحذور القومي، وبالعكس، وينادي بحقوق المرأة على وفق التوليفة الغربية، وهو في كل ذلك صدى موجةٍ يراد منها إدامة جوهر التناقض في الواقع الإسلامي.
على سبيل المثال، أشعل الأمريكي منذ أسابيع فتيل الحرب في شرق سوريا بين العرب والكرد لتعميق الشعور القومي، وهو في ذلك يسعى لتوطيد مشروعية احتلاله عبر توفير غطاء يتجاوز الكردي لما هو العربي عبر اللعب بين الطرفين، بما يؤزم التناقض بينهما، فيما يضمن اعتباره كواسطة حل وقارب إنقاذ إجباري في ظل تباين المصالح بين الدولة السورية والمحتل التركي، وهما اللاعبان المفترضان في تفكيك هذا التناقض.
هل مازالت هذه الشجاعة التي أشاد بها بايدن سارية المفعول بعد عام على صدورها، وقد ظهرت اليوم على لسان شيرين عبادي ونزانين بونيادي، وهما مع غيرهما من ناشطي حزب كوملة وتيار المعارضة المدعوم أمريكياً، يعلنون انسحابهم من هذا التيار الذي يتبع أساليب غير ديمقراطية؟.
لا ييأس الأمريكي من إدامة اللعب على وتر حقوق المرأة، وهو ما دفع السيد علي الخامنئي، المرشد العام للثورة الإسلامية، إلى التحذير من خلية الأزمة هذه التي تواصل عملها على تشظي الأمة إلى تناقضات مذهبية وعرقية، فالشيطان الأمريكي لا ينفك يوجّه الطعنات حتى وهو يتوصل إلى حلول مؤقتة لبعض الملفات، مثل ملف السجناء بين أمريكا وإيران.
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا عن الدور الإسرائيلي، وربما السعودي، في خلية الأزمة التي حذر منها السيد الخامنئي. شرعية السؤال تتجلى بعد الكلام اللافت الذي أصدره رئيس الموساد الإسرائيلي ديفيد برنياع تجاه إيران ودورها في دعم قوى المقاومة في المنطقة، وهو ما تكرر على لسان وزير الحرب الإسرائيلي يوآف غالنت، باعتبار العامل الإسرائيلي جوهرياً في الحرب الهجينة ضد إيران.
ويأتي استهلال التطبيع السعودي مع الكيان الإسرائيلي باستقبال وفد إسرائيلي في الرياض للمشاركة في اجتماعات اليونيسكو في ظل مباحثات حثيثة تشارك فيها أمريكا والسلطة الفلسطينية للوصول إلى تطبيع سعودي إسرائيلي كامل، بما يعزز المسعى الإسرائيلي الأمريكي ضد إيران، وهو مسعى يراد للسعودية المساهمة فيه بخلاف الوساطة الصينية التي أفضت إلى استئناف العلاقة الإيرانية السعودية.
المسعى الأمريكي الإسرائيلي للتطبيع مع السعودية لا يستجيب لشهية نتنياهو الشخصية في وقت أزمته الداخلية فحسب، إنما يهدف في الأساس إلى تعزيز التناقض الإسلامي بما تمثله السعودية من عنوان مذهبي في مواجهة إيران التي تحاول الالتحام مع قضايا الأمة وما يواجهها من تحديات مصيرية، وخصوصاً قضيتها المركزية فلسطين، وهي قضية منعتقة في أصلها من السياق المذهبي، كما أنها الأكثر تعبيراً عن الانتماء الإسلامي والإنساني الجامع.
ليس ثمة دين أوضح من الإسلام في تجاوزه التعقيدات المذهبية والقومية والجنسية، وهي قضايا محسومة سلفاً بنص القرآن: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ}، وهو ما أعلنه رسول الإسلام في خطبة الوداع: “يا أيها الناس، إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على اعجمي ولا اعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود ولا لأسود على أحمر، إلا بالتقوى، إن أكرمكم عند الله أتقاكم، ألا هل بلغت؟ قالوا: بلى يا رسول الله قال: ليبلغ الشاهد الغائب”.
قبل 10 أعوام، تجلت إدارة الأزمة الأمريكية ضد الجاليات الإسلامية، بحسب تقرير جامعة كاليفورنيا، الذي قدّر أن 206 ملايين دولار تم دفعها إلى 33 مجموعة، هدفها الرئيس تعزيز الكراهية للمسلمين في الولايات المتحدة وترسيخ مفهوم الإسلاموفوبيا، وهو ما برع فيه قبل ذلك الباحث الأمريكي جون إسبوسيتو، المستشار في وزارة الخارجية الأمريكية، والمدير المؤسس لمركز الأمير الوليد بن طلال للتفاهم الإسلامي-المسيحي.
تتجاوز خلية الأزمة الأمريكية اليوم عملية التفكيك الفكري والنفسي للمجتمعات الإسلامية لما هو الجهد الاستخباري والسياسي والعسكري والاقتصادي، وهي جهود تأتي تباعاً لما سبق من عمليات التفكيك، وخصوصاً بعد فشل بعضها في دول بعينها، في ظل غياب النفوذ الأمريكي في هذه الدول، وهو ما جعلها محوراً للشر في المنظور الأمريكي.
تتشابك المعطيات الإقليمية والعالمية اليوم، بخلاف الخطط الأمريكية، بما يجعل مهمة خلية الأزمة أكثر صعوبة من السابق، برغم الانقياد الأوروبي والخليجي والضعف العربي الإسلامي، فالتطور الاقتصادي في منظومة بريكس العالمية، بما يوفره من معطى سياسي، في ظل الاستعصاء الروسي في مواجهة المشاريع الأمريكية في أوروبا، مع تعاظم الدور الصيني في المحيط الهادي والتطورات الأفريقية، والأهم تنامي قوة محور المقاومة ضد الكيان الإسرائيلي وتحسن أدائه، كل ذلك يعوق هذه الخطط الأمريكية الشيطانية، وخصوصاً مع التأصيل الإسلامي الديني وما يوفره من ضامن فكري متين.



