دبلوماسية الأربعين

بقلم: الدكتور محسن القزويني..
عندما حلّت زيارة الأربعين، توقفت المدافع والصواريخ والقاذفات والمُسيرات.
فحدثُ الأربعين هو الأول في حياة الشعوب الذي تركع له القرارات الدولية وتستسلم له السياسات الاقليمية بهذا الشكل، فما الذي يُطمئن خمسة ملايين أجنبي عبر الحدود العراقية برا وجوا وبحرا غير قرار وقف اطلاق النار الذي وقع بدون حتى الاعلان عنه رسميا، وعندما صرَّح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بانهم يجرون مباحثات حول مضيق هرمز مع الجانب الإيراني، كذَّب الناطق الرسمي باسم الخارجية الايرانية الخبر، وقال: “انَّ وزيرنا في كربلاء مشغول في زيارة الأربعين، وفعلا شاهد الزوار عباس عراقجي وهو يمشي مع الزوار، مرتديا ملابس متواضعة وهو يتجه صوب المرقد الشريف حاله حال أي زائر آخر”.
لقد قلبت زيارة الأربعين الموازين وأوقفت القرارات وملأت سماء العراق والدول المجاورة بطائرات المسافرين وليست بالمسيرات، وقد فتحت الدول الخليجية أجواءها ومراكزها الحدودية البرية أمام موجة الزائرين من أبناء الخليج الذين تدفقوا كالسيل ليحظوا بالزيارة في يوم الثلاثاء في الرابع من آب من هذا العام، فرحين مستبشرين بعد يأس من فتح الحدود.
أما في العراق فحدِّث ولا حرج، فحسب احصاء العتبة العباسية وباستخدام الذكاء الاصطناعي والكاميرات المنصوبة على مداخل كربلاء وأبواب الحرم الشريف ذكرت بان 19،999،870 زائر سلكوا مئات الآلاف من الكيلومترات بعضهم مشيا على الاقدام ومن مختلف محافظات العراق من الشمال حتى الجنوب، ليجدوا الطريق الى كربلاء آمناً لا يعكر صفوه القذائف والمتفجرات، وليجدوا أمامهم 16،000 موكب خدمي يقدم لهم الطعام والشراب والاستراحة على طول الطريق الى كربلاء. وهكذا اثبت الإمام الحسين “عليه السلام” بانه مشروع سلام وهو قادر على اسكات نيران الحرب ما لا تستطيع فعله قرارات الأمم المتحدة والمؤتمرات الدولية.
قبل أكثر من سنة قام نزاعٌ بين عشيرتين في جنوب العراق راح ضحيته العشرات من الطرفين، وكلما حاولت أطراف عديدة ايقافه لم تتمكن الى ذلك سبيلا، وظل اطلاق النار المتبادل بين العشيرتين الى ان تم وضع راية العباس في وسط المعركة، فسكت الرصاص وعاد المقاتلون الى بيوتهم بمجرد مشاهدتهم راية العباس وهي ترفرف في ساحة المعركة، هكذا صنع لنا الطف تأريخا جديدا وواقعا انسانيا يعيدنا الى العصر الإسلامي الأول، حيث المحبة والاُلفة والتعاون ونكران الذات، حيث تجد الغني والفقير والرئيس والمرؤوس والسني والشيعي والكردي والعربي وزائرين من مختلف دول العالم في خط مستقيم واحد ممتد نحو كربلاء، واقع لا تستطيع أية قوة في العالم صنعه إلا الحسين “عليه السلام” الذي غيَّر الأمة بشهادته وقد بشرَّت السيدة زينب “عليها السلام” بهذه الحقيقة لابن أخيها علي بن الحسين عندما لاحظت عليه آثار الوجد قائلة له: “وينصبون لهذا الطف علماً لقبر أبيك سيد الشهداء لا يَدرس أثره ولا يَعفو رسمه على كرور الليالي والأيام، وليجتهدنَّ أئمة الكفر وأشياع الضلالة في محوه وتطميسه، فلا يزداد أثره إلا ظهورا وأمره إلا علوا”.



