اراء

هل تريدون من إيران أنْ تعتذر لأنّها قاومت؟

بقلم: زهير حليم أندراوس..

أولاً، تتعرّض إيران لعدوانٍ أمريكيٍّ-إسرائيليٍّ مُشتركٍ، وذلك للمرّة الثانية في أقّل من سنةٍ، بيد أنّ العدوان الذي لا يقِّل خطورةً عن الصواريخ الفتاكّة والذخائر القتالّة، يتجلّى بصورةٍ استفزازيّةٍ من قبل وسائل إعلامٍ كثيرةٍ في الوطن العربيّ، وعلى نحوٍ خاصٍّ، الإعلام الذي تُسيطِر عليه دول الخليج، الذي برأينا المتواضع، يعمل من دون كللٍ أوْ مللٍ على شيطنة إيران، وتصويرها للقارئ، المستمع والمشاهد الناطق بالضاد، بأنّها تعتدي على دول الخليج والأردن، متجاهلين عن سبق الإصرار والترصّد عوامل مهمة لتثبيت سرديتهم، التي تخدم في نهاية المطاف، الأجندة الأمريكيّة الإسرائيليّة، لأمرٍ (ليس) في نفس يعقوب.

ثانيًا، في هذه العُجالة وَجَبَ توضيح المُوضّح وتأكيد المؤكّد وتفسير المُفسّر، إذْ أنّه من الأهمية بمكان الإشارة إلى أنّ المادة (51) التي وردت في الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة منحت الدول حقّ الدفاع عن النفس، فرادى أوْ جماعات، في حالة وقوع عدوانٍ مسلحٍ عليها. ويبقى هذا الحق قائمًا إلى حين اتخاذ مجلس الأمن الدوليّ الإجراءات اللازمة لوقف العدوان وحفظ السلم والأمن الدولييْن، مع التزام الدول بإبلاغ المجلس فورًا بالإجراءات التي اتخذتها، وهو الأمر الذي ينطبِق على الردّ الإيرانيّ الذي نصّت عليه الشرعيّة الدوليّة، مع أنّنا بتنا قاب قوسيْن أوْ أدنى من الانتقال إلى حكم شريعة الغاب، أيْ القويُّ يأكلُ الضعيفَ.

ثالثًا، إيران، وتحديدًا في العدوان الأخير الذي بدأ في الـ 28 من شهر شباط الماضي، استهدفت القواعد العسكريّة الأمريكيّة، المُنتشرة في دول الخليج، والتي تستخدمها واشنطن لقصف إيران بشكلٍ وحشيٍّ وبربريٍّ، في حين أنّ طهران استهدفت القواعد العسكريّة الأمريكيّة في دول الخليج والأردن، ولم نسمع حتى من الإعلام المُعادي أوْ من رديفه الإعلام المُناهِض، عن قيام الجمهوريّة الإسلاميّة باستهداف مدنيين خليجيين أوْ أردنيين.

رابعًا، من حقّ كلّ إنسانٍ على وجه هذه البسيطة توجيه سهام نقده اللاذعة لإيران، نظامًا أوْ سياسةً، ولكن عندما يتحوّل النقد إلى وسيلةٍ لتثبيط العزائم وهندسة الوعي واستدخال الهزيمة، وتقديم الخدمات المجانيّة للخصوم والأعداء، فإنّ “الحياد” في هذه القضية العينيّة يُصبِح في حدّ ذاته موقفًا انتهازيًا إنْ لم يكُن أكثر من ذلك، وهذا الزمان وهنا المكان لتذكير أصحاب الذاكرة الانتقائيّة أو القصيرة، أوْ الاثنتيْن معًا، أنّ الإعلام العربيّ بسواده الأعظم خاض الحرب الضروس ضدّ ما أسماه آنذاك بـ”احتلال” إيران لأربع عواصم عربيّةٍ وهي دمشق، بيروت، بغداد وصنعاء. ولم نشهد حملةً مشابهةً ضدّ الاحتلال الإسرائيليّ للأراضي الفلسطينيّة، إلّا من رحم ربّي. كما لم نسمع انتقاداتٍ من هذا الإعلام المُجيَّر ضدّ تدّخل الأمريكيّ السافر في لبنان ومحاولة فرض سيادة هذه الفئة والقضاء على الفئة الأخرى في بلاد الأرز، ولكن العداء الشديد لإيران أثبت لكلّ مَنْ في رأسه عينان، أنّ الواقع يفوق أحيانًا الخيال.

خامسًا، أجِد لزامًا على نفسي التوضيح بأنّني لا أنتمي لأيّ فصيلٍ أوْ تنظيمٍ أوْ حزبٍ، لا في الوطن العربيّ ولا في فلسطين التأريخيّة، وما أسوقه هنا، يُعبِّر عن رأيي الشخصيّ ليس إلّا، وأؤمن إيمانًا قاطعًا بالإنسان والإنسانيّة، وأرفض جملةً وتفصيلاً، استغلال الشعوب المُستضعفة من قبل قوى الاستكبار والاستعلاء، بهدف إخضاعها والتحكّم بمصائرها، بما يتماشى مع الثالوث غيرُ المُقدّس: الإمبرياليّة بقيادة الولايات المُتحدّة الأمريكيّة ووكلائها من العرب والغرب، ومن الصهيونيّة العنصريّة وصنيعتها إسرائيل، والرجعيّة العربيّة، التي تُشكِّل، ربّما حبًا أوْ طواعيّةً، أداء هذا الدور الوظيفيّ السلبيّ، الذي يُشكِّل خنجرًا مسمومًا في خاصرة الأمتيْن العربيّة والإسلاميّة. فلنتذكّر المارد العربيّ، المُرتحِل الباقي، جمال عبد الناصر، عندما أرسى مقولته المأثورة: “إذا وجدتم أمريكا راضيةً عنّي، فاعلموا أنّني على خطأ”.

سادسًا، آثرتُ مقاربة هذه القضية من منظورٍ سياسيٍّ وقانونيٍّ، بعيدًا عن السجالات المذهبيّة، لأنّها، في تقديري، لا تُسهِمْ في فهم جوهر الصراع ولا في مقاربة الوقائع بموضوعيةٍ. ولكن المؤلم، المُحزن والمؤسف، أنّ العديد ممَّنْ يُطلَقْ عليهم لقب المُفكّرين العرب يتشدّقون بالديمقراطيّة، ويُهاجمون إيران مُسوّغين ذلك، بأنّها تُحكَم بالحديد والنار من قبل نظامٍ ظلاميٍّ لا يُقيم وزنًا للإنسان وحقوقه، حسنًا، أطلق فلاديمير لينين مقولته المشهورة “المثقفون هم أقدر الناس على الخيانة، لأنّهم أقدر الناس على تبريرها”، وتعكس هذه العبارة نظرةً براغماتيّةً نقديّةً ترى، أنّ امتلاك المعرفة واللغة يمنح المثقف القدرة على التلاعب بالأفكار وتطويع المبادئ لتبرير المواقف والمصالح المتغيّرة بدلاً من الثبات على التزامٍ حقيقيٍّ. ولكن بالمُقابل لا نفهم ولا يُمكننا أنْ نتفهّم أنّ ثلةً من هؤلاء المُثقفين يعيشون في دولٍ خليجيّةٍ، تبعد عن الديمقراطيّة وحقوق الإنسان ألف سنةٍ ضوئيّةٍ، ومن أبراجهم العاجيّة يُهاجمون إيران، ولكنّهم في الوقت عينه يُحافظون على صمت أهل الكهف عندما يتعلّق الأمر بالنظام الحاكم الذي يعيشون تحت كنفه. أليست هذه مُفارقة جديرة بالاهتمام والبحث أوْ أليس صحيحًا أنّه “أحقر من الخيانة وقاحة تبريرها”؟.

سابعًا وأخيرًا، إيران لم تعتدِ، بلْ تعرّضت لاعتداءٍ غاشمٍ من واشنطن وتل أبيب، لتحقيق ثلاثة أهدافٍ: قلب نظام الحكم الإيرانيّ، القضاء على البرنامج النوويّ المدنيّ الإيرانيّ وتدمير الترسانة الصاروخيّة التي تمتلكها. ومن المعروف أنّ العدوان لم يُحقِّق أيّ هدفٍ من هذه الأهداف، وباعتقادنا المُتواضِع لن تُحقق الولايات المُتحدّة أيّ شيءٍ، لأنّها عمليًا خسرت الحرب على الرغم من عدم تكافؤ القوّة بينها وبين القوّات المُعتديّة. فهل تريدون أيّها العرب أنْ تعتذر إيران لجرأتها على المواجهة؟.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى