لوحات أكرم علي .. الحرف من رمز للهوية الإسلامية إلى نظام بصري ثري بالدلالات الجمالية

المراقب العراقي/ المحرر الثقافي..
تُعدّ الدلالات الجمالية للحرف العربي من أبرز القضايا التي شغلت الفنانين والباحثين في الفن العربي المعاصر، إذ تجاوز الحرف وظيفته اللُغوية بوصفه وسيلة للكتابة، ليغدو عنصرًا بصريًا مستقلًا يمتلك طاقات تشكيلية ورمزية وتعبيرية واسعة، أسهمت بترسيخ حضوره بوصفه أحد أهم مرتكزات الفن العربي الحديث والمعاصر.
وقال الناقد رحيم يوسف في قراءة نقدية خص به ” المراقب العراقي”:” إن “القيمة الجمالية للحرف العربي تتجلى في مرونته الفائقة وقابليته للتحول، فهو يمتد وينحني ويتشابك ويتداخل، بما يتيح للفنان بناء تكوينات متوازنة تقوم على الإيقاع والحركة والوحدة. كما يُسهم تكرار الحروف وتنوع أحجامها واتجاهاتها بخلق إيقاع بصري يضاهي الإيقاع الموسيقي، حيث تنتظم العلاقات بين الكتل والفراغات ضمن بنية ديناميكية متماسكة ، ولا تقتصر أهمية الحرف على خصائصه الشكلية، بل تمتد إلى أبعاده الرمزية والتعبيرية؛ إذ قد ينفصل عن معناه اللُغوي ليغدو رمزًا للهوية العربية والإسلامية ، وعلامة ثقافية تستحضر الذاكرة والتراث والانتماء ، وفي الوقت نفسه، يستطيع الفنان توظيفه للتعبير عن الانفعالات النفسية والروحية من خلال كثافة الخطوط، وحرية الحركة، والعلاقات اللونية، دون أن تكون قراءة النص شرطًا لإدراك قيمته الجمالية” .
وأضاف: “وفي الكثير من التجارب الفنية الحديثة، يتحول الحرف إلى شكل تجريدي خالص يفقد قابليته للقراءة، ويكتسب استقلالًا بصريًا بوصفه خطًا وكتلة وإيقاعًا، كما يتجلى في أعمال العديد من فناني الحروفية العربية وتتعزز هذه القيمة من خلال العلاقة المتوازنة بين الشكل والفراغ، حيث تؤدي المساحات البيضاء دورًا لا يقل أهمية عن الخطوط، فتمنح التكوين توازنًا وحيوية وعمقًا بصريًا ،كما يرتبط الحرف العربي أيضًا ببعد روحي عميق، نتيجة اقترانه التأريخي بالقرآن الكريم وفنون الكتابة المقدسة، الأمر الذي يُضفي على العمل الفني إحساسًا بالتأمل والسكينة، ويمنحه أفقًا يتجاوز الجانب الشكلي إلى أبعاد وجدانية وروحية “.
وتابع :”كما أسهم الحرف العربي ببناء خطاب بصري عربي معاصر، إذ اعتمده الفنانون وسيلة للتأكيد على خصوصية الهوية الثقافية العربية في مواجهة الهيمنة البصرية الغربية، مع المحافظة على الانفتاح على منجزات الفن الحديث وأساليبه.وفي هذا السياق يرى بول كلي أن الفن لا يعيد إنتاج المرئي، بل يجعلنا نرى وهي رؤية تنطبق على الحرف العربي عندما يتحول من أداة للقراءة إلى بنية بصرية تكشف آفاقًا جمالية جديدة . من هنا يمكننا اكتشاف قدرة الحرف العربي على إنتاج المعنى الجمالي حتى عندما يتخلى عن وظيفته اللُغوية ، وعليه لا يُنظر إلى الحرف العربي بوصفه مجرد وحدة كتابية ، بل باعتباره بنية تشكيلية متكاملة تتفاعل فيها الخطوط والكتل والإيقاعات والفراغات والألوان ، لتنتج نظامًا بصريًا ثريًا بالدلالات الجمالية والثقافية والروحية، وتؤكد مكانته بوصفه أحد أهم مرتكزات الفن العربي المعاصر”.
وأوضح أن “ثمة من يبني تجربته اعتمادا على مرتكزات تمثل لبنات أولى لتجربته الفنية ، ويواصل بالكثير من العمل مدفوعا بشغفه بالفن من فرض تلك التجربة وسط موج هائل من التجارب التي تحيط به من كل مكان ولعل أكرم علي من الذين بدأوا من خلال محاولات جادة للقيام بذلك ، فمنذ سنوات طويلة وهو يجد في بناء تجربته انطلاقا من جعل الحرف العربي مرتكزا أساسيا لتجربته الفنية التي أخذت تتطور وتتنامى عبر الكثير من المشاركات في المعارض الفنية التي أثبت من خلالها حضوره الفني وصولا لمعرضه الذي أقامه على قاعة كولبنكيان العام الماضي ، وأكرم الذي انطلق من التجريد الحروفي باتجاه التجريد المطلق، عبر محاولات جادة تمكن من خلالها من المزاوجة بين الحرف واللون والتشخيص على السطوح التصويرية وصولا الى سطوح تخلو من الحرف والتشخيص باتجاه التجريد المطلق”.
وواصل :”يكتب الفنان الأمريكي إيفيند أيرل : لأنني لا أخطط مسبقًا أبدًا ، فإنني أترك نفسي تنقاد إلى الغريزة والذائقة والحدس .وهو بهذا القول يفيد الى روح الغريزة المشفوعة بالذائقة والحدس والتي تقود الفنان وتؤكد قدرته على خلق الإحالات التي تستفز ذائقة المتلقي وبمعنى أدق يجعله يستبصر ما وراء الاشكال والخطوط ، ولأننا أمام تجربة حروفية بالدرجة الاساس فإن مهمة الفنان الاولى هي استنطاق كوامن الحرف كطاقة جمالية وتحويل الصوتي الى مرئي ولذلك سيحاول أن يجعل المتلقي يرى ما لا يري اذا جاز لنا التعبير ، ليجعل الحرف هو الحامل للدلالات وأن توارى خلف الزخرفيات القصدية التي يلجأ اليها الفنان احيانا باعتبارها معادلا موضوعيا للحرف لأنها رافقته منذ انطلاق الخط العربي تأريخيا ، غير أنه سيحاول قدر الإمكان من الابتعاد عن الزخرفية لصالح الحرف من أجل أن يخفف من طغيانها وبذلك ستخسر موقعها لصالح اللون ككتل مصاحبة للحرف أو حاضنة له او مستقلة تسير بالتوازي معه في السطوح التصويرية المبثوثة “.



