لماذا استحال “التعايش السلمي” بين الصهاينة والفلسطينيين ؟

بقلم/ محمود الهاشمي..
يتساءل كثيرون -ليس على مستوى منطقة الشرق الأوسط انما على مستوى العالم؛ لماذا لم يألف الفلسطينيون والاسرائيليون بعضهم بعضاً، باعتبار ان قدراً -ان صدقاً وان كذباً -فرض عليهما السكن على أرض واحدة ؟!.
هذا السؤال لم يلقَ جواباً شافياً لسببين، الأول ان الصهاينة يصرون على ان أرض فلسطين تعد ملكاً لهم ولا يحق لأي انسان آخر ان يقاسمهما (هذا الملك)، بالمقابل فان الشعب الفلسطيني يرى، ان فلسطين أرضه وتاريخه ووجوده، وان الصهاينة مجرد ناس مفترين افترضوا أرضا لهم وصدقوا كذبتهم.
ليس غريبا ان (130) ألف فلسطيني يعملون داخل الارض المحتلة، وهؤلاء يشكلون نسبة عالية من العمالة في معامل وشركات اسرائيلية ويستفيدون من الاجور لسد احتياجاتهم.
هؤلاء العمال يتعرضون الى انتهاكات يومية خاصة عند المعابر الحدودية وفي هذا الحديث يطول، وان اسرائيل تفضل العمالة الفلسطينية لانهم يجيدون اللغة العبرية، وثانيا لانهم يعودون الى مساكنهم بالضفة الغربية، بدلا من العمال الاسيويين وغيرهم الذين لبعد دولهم لا بدَّ من السكن داخل الارض المحتلة .
فاذا كان هذا الرقم الكبير من الفلسطينيين يدخلون ويخرجون ويعملون في معامل الصهاينة ومثلهم مليون ونصف من مواطني الداخل من الفلسطينيين، فلماذا لا يتعايشون أو على الأقل ان يتفاهموا ولو الى حين؟ الجواب ان الفلسطيني (العامل) الذي يدخل الى الاراضي المحتلة لغرض العمل يتعرّض الى (اهانة) والى (تمييز عنصري) يومي يجبره على الرد ولو على حساب لقمة عيشه، ويرى في كل بناء واعمار ومؤسسة ومصنع ومزرعة انشئت على أرض فلسطين هي ملك لشعبه، وثانيا ان الشخصية اليهودية شخصية ناقمة على (الآخر) مهما كانت جنسيته مادام ليس يهودياً .
هذا التصنيف (الاخر) واحد من مشكلة (اليهود) عالميا فهم فئة ترى بالخلاف مع الاخر، واحدا من أسباب بقائها وديمومة وجودها، لذا تجد ان القرآن الكريم أفرد آيات كثيرة بالتذكير بتآمرهم ومخططاتهم الخطيرة (وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ الى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ۚ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ ۚ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا ۚ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ) فهم مشعلو الحروب وحين تعود الى الحروب الكبرى بالتاريخ تجد انهم وراءها كما انهم (يسعون بالأرض فسادا).
أما لماذا يكرهون (الاخر) فلأنهم يرونها وسيلة لتحشيد ابنائهم للمزيد من الترابط والعمل المشترك باعتبار انهم (امة مميزة) وبذا فهي محط (حسد الأمم)، نسبة عالية من العمال الفلسطينيين بالداخل يعملون بالزراعة لان اليهودي لا يزرع بيده خشية ان يتفاعل مع الأرض، فيلتصق بها وشعارهم الأساس (وطنك حقيبتك)، اي (ما تملك من مال بحقيبتك) أما الذين يسكنون (اسرائيل) الان فهم اليهود الخارجين عن القانون وشرذمة المجتمع ساقتهم قيادات عسكرية يهودية ناقمة تحت أوهام وآراء مفترضة ان لليهود (وطنا)، ولا شك ان الأغلب من اليهود لا يؤمنون بان لليهود دولة ووطناً .
وليس غريبا عندما تسأل قادة اسرائيل عن سبب قبولهم هذا العدد الكبير من العمالة الفلسطينية يقولون (اموالهم تنفق داخل المحيط) وكما يقال (حساب يهود)، ثم ان اليهودي يرى في كل المخلوقات بما فيها الانسان (سلعة) فمع وصول المهجرين الاوكرانيين -بسبب الحرب -الى اسرائيل عاجل السماسرة الصهاينة الى تسويق النساء الاوكرانيات -لما يمتزن به من (جمال) -الى دولة الامارات لغرض العمل بصفة (عاهرات) برغم انهن (يهوديات) فإسرائيل لا تستقبل غير اليهود من المهجرين .
يقول الكاتب الفلسطيني نمر سلطاني الذي ولد وعاش داخل الارض المحتلة في مقال نشره في صحيفة الغارديان (التهجير القسري، ومصادرة الأراضي، والوضع القانوني المتدني والسجن هي حقائق يتقاسمها جميع الفلسطينيين، سواءً “داخل” إسرائيل أو في الأراضي المحتلة) ويقول (إن “احتجاجنا هو تأكيد على وحدة النضال ضد الاستعمار من أجل المساواة والحرية) اذن تلك هي المعادلة التي يجب ان يفهما العالم ان الصهيونية ترى في الصِدام والقتل والترهيب ومصادرة الاملاك والاعتقال حلا للعقدة المترسخة في اذهانهم وهي (الانتقام).
اليهود بالتاريخ لم يتركوا لاحد مجالا كي يرحمهم، فمجرد جردة بسيطة تجد ان جميع دول اوروبا طردتهم من بلدانها بسبب أعمالهم المشينة وسوء عملهم بل بعض دول أوروبا طردتهم لثلاث مرات، وان الرسول الكريم عندما طردهم من يثرب حيث تجمع المصادر على أن يهود المدينة المنورة سارعوا إلى نقض العهود وتدبير المؤامرات والمكائد، مما دفع نبي الإسلام “صلى الله عليه واله وسلم” إلى اتخاذ قرار الإجلاء من الديار في حق من أمعنوا في التشويش على دعوته وتأليب الناس عليه، بل ومحاولة قتله، كما كان الحال مع بني النضير. أما حكم السيف فلم يصدر إلا عندما وجد المسلمون أنفسهم أمام خيانة عظمى من جانب بني قريظة.
سؤال:- ما الذي يدفع شابة فلسطينية داخل الارض المحتلة ان تحمل سكينة المطبخ وان تطعن جنديا صهيونيا وهي تعلم ان الطعنة لا تميته وسرعان ما يطلق عليها الرصاص وتقتل)؟ الجواب لانهم اهانوا كرامتها واسمعوها كلمات منفرة وقتلوا اخوتها واعتدوا على والدها أمامها أو هدموا منزلهم أمامهم ..
ان جميع الفلسطينيين الذين تركوا أرضهم كرهاً مازالوا يحتفظون بمفاتيح الدار لانهم يعلمون ان العودة مكتوبة في ضمائرهم وفي صدورهم وارحام الامهات وقصيدة الشاعر وهدهدة الاطفال وفوق القباب والمنائر وعند زناد البندقية .
يقول الكاتب المصري طارق ابو السعد في مقال له بشأن (التعايش بين الفلسطينيين والصهاينة)؛-في ظل إصرار السلطات الإسرائيلية على التهجير القسري لسكان أحياء بعينها من المدن العربية المحتلة، والإصرار على تغيير التركيبة السكانية لصالح اليهود الإسرائيليين، ومصادرة الأراضي تحت مزاعم قانونية مجحفة تعطي البيت والأرض للآخرين، وفي ظل قانون دستوري يرى أنّ الاستيطان اليهودي هو قيمة عليا للدولة.
كيف يمكن تصور شكل التعايش بين الاثنين؟ لقد مضى على الاحتلال الصهيوني لأرض فلسطين (75) عاما وما نراه من صراع وحرب وقتل وتهجير ومعارك يتمدد على هذه السنوات جميعها، القادة الصهاينة يشعرون بحرج (الزمن) فهم يعلمون ان سر احتلالهم وديمومة بقائهم مرهون بقوة الغرب وهيمنتهم على القرار الدولي، وهم باتوا يدركون ان هذا (التفرد) لم يعد ممكنا في ظل التحولات العالمية الجديدة وان حضارة الغرب مصابة بـ(الشيخوخة) لذا فهم (الان) يسعون لإخراج جميع الفلسطينيين من أرض فلسطين عبر استخدام القوة والعنف والقتل والاعتقال والهدم ومصادرة الاملاك وغيرها والقصف والحرق والتنكيل كي يهرب الفلسطيني بنفسه خارج فلسطين وتبقى الارض وما عليها ملكا لهم .
هذا المشروع ضمن (صفقة القرن) بإيجاد ارض بديل للفلسطينيين وربما (صحراء السماوة) احد الخيارات، لا شك ان (الخلافات) الداخلية بين الصهاينة أكبر من ان توصف فهم (شتات) دون هوية ويعيشون الضياع، فلم يكونوا جزءاً من الشرق يوما في التعايش ولا جزء من الغرب ونعتقد انها أعوامهم الأخيرة ليعود كل الى حيث جاء.. ثم علينا ان نتصور ان خارطة اسرائيل محاطة بصواريخ المقاومة من جميع الجهات وكفى بها (شاهداً) على نهايتهم.



