اراء

فرصة العرب الناجزة.. انقلاب الصورة وما لم يكن في الحسبان

بقلم: د. إدريس هاني..

إن أسوأ ما في الحروب، هو استصغار ردة فعل الخصم؛ هذا تماما ما جعل العدوان على طهران ينقلب إلى لعنة، انتهت بالكشف عن ضحالة أسطورة جيش الاحتلال الذي لا يُقهر وقوى عظمى لا تنهزم. أساطير أخرى تساقطت تباعا، فباتت السماء عارية، ولم تبقَ نقطة لم تبلغها صواريخ الخرساني.

استطاعت الصواريخ الإيرانية تدويل تبعات الاعتداء، وهي تعيد فتح ملفات كثيرة كانت قد أجلتها في سياق ما أسمته بالصبر الاستراتيجي. تملك إيران بنك أهداف دقيقا بكل القواعد وغرف العمليات في المنطقة، والتي تدار الحرب من خلالها، وبعض من هذه الأهداف مُدَّخرة لتوقيت استراتيجي دقيق، وهي حبلى بمفاجآت كثيرة.

كشفت الحرب عن وجود صواريخ ومسيرات ذكية قادرة أن تصيب من تورطوا في تسهيل عملية العدوان، وتلاحقهم زنقة زنقة. هذا طبيعي؛ إنها الحرب، والكل يجب أن يتحمل فيها مسؤوليته. فحين تصبح الحرب وجودية، لن يبق للجمل غير المفيدة قدرة على التغليط. ما تؤكده طهران اليوم، هي أنها لم تعد تتساهل مع التهديدات التي تمس أمنها القومي من الجوار.

فالخطة تقضي بتشكيل حليف في حرب برية يحشد لها الاحتلال والدولة العظمى جحافل المرتزقة، حيث يتم إقحام الارهابيين وكل المرتزقة الذين يتم تجميعهم على الحدود، كي يحقق الاحتلال وحليفه صفر ضحية في حرب برية، تبدو العملية -بداهة- كمغامرة حمقاء، لأن الطرف الإيراني جهز مليون مقاتل عقائدي لهذه المهمة. وقد تم تحذير جماعة النصرة المتحكمة بدمشق من استمرار تواجد ضباط الاحتلال وحلفائه المقيمين بالفورسيزن وغيره، من أن صواريخهم قادرة أن تصلهم حيث هم. اليوم وفي حال انطلاق هجوم بري، سيكون المحور في حِلٍّ من أمره، حيث تصبح الطريق معبدة لاحتلال الجليل، وإعادة تحرير الشام وإعادة رسم خريطة الشرق الأوسط، هذه المرة عبر ثأر الجغرافيا والمقاومة.

المعضلة العربية في هذه الحرب، أنهم لا يملكون مشروعهم، وربما قد استهتروا بضرورة قيام مشروع عربي يؤمن لهم سيادتهم، ويحررها من الارتهان للمشروع الأمبريالي، فلقد اتضح أن العرب لم يكونوا بالفعل حلفاء حقيقيين لواشنطن، حيث تمت التضحية بأمنهم ومصالحهم، في معركة هي لصالح الاحتلال، قبل أن يدركوا أن الاحتلال نفسه فقد كل أساطيره في حماية نفسه. ليس في وسع العرب حتى رفض القرار الأمريكي في هذه المغامرة، ولكن ارتهانهم لهذا التنسيق أصبح اليوم مكلفا.

ليست القوة العظمى وحدها من قرأ قصيدة الوداع على طهران وعلى عموم محور المقاومة، بل أصبح ذلك ديدن لكل خشاش الأرض.

لقد قرأ المرجفون على إيران قصيدة الوداع، قصيدة تقطر صديدا وحقدا لم نرَ مثله في البلاد. مرضت المنطقة بالايرانوفوبيا، بل باتت حالة شديدة التعقيد، لأنها فوبيا مقرونة ببارانويا حادة. فالخصوم استشرفوا نهاية وشيكة لبلد يمتد في التأريخ آلاف السنين، لكن الكراهية من شأنها استصغار خطورة الأمر. ويبدو أن المحللين الغربيين هم أكثر تواضعا هذه الأيام من نقاري الخشب في بيدائنا العربية، حيث كل يوم ينعق ناعق: لقد أزفت الآزفة.

ستكون هذه الحرب أشد إيلاما على من فكر ثم قدر كيدا لا تحليلا. لكنها أيضا ستكون فرصة للهروب إلى الأمام لدى نمط آخر من الكائنات السياسية. وكما سمعنا بأن الأمور كانت مسرحية، فغدا سنسمع مَوَّالا مشابها، والسبب هو أن المصابين بعقدة إيران لن يهضموا انتصاراتها. والحق هو أن ثمة بالفعل متأيرنين، هذه المرة بمعنى حاملين لعقدة إيران إلى حد حجبت عنهم رؤية الأشياء كما هي. إنها دعوة للتحرر من هذا الداء العضال، والخروج من سجن أفقد المنطقة توازنها وحولها إلى جغرافيا بلهاء.

ومع ذلك، لا زال أمام العرب فرصة للنجاة من المصيدة التي نصبها الاحتلال لواشنطن، قبل أن يدركه ثأر الجغرافيا. بل هي الفرصة الأكثر جدوى لفك الارتباط الاستراتيجي والعاطفي مع المشروع الأمبريالي الذي أظهر عجزه عن التحكم بمصير الحرب والمنطقة. فلقد أثخن الغرب في ابتزاز المنطقة، مستغلا تناقضاتهم ومؤامراتهم الداخلية في مزيد من السيطرة على مصيرهم. كل مشاكل العرب كان بامكانها أن تنحل في إطار مشروع عربي متكامل، لكن عناد العرب وتصرفهم كذئاب منفردة، جعل بأسهم بينهم شديدا. منحت إيران فرصة تأريخية العرب كي يتحرروا من التبعية -إن أرادوا- وبناء مشروعهم بتعاون مع أقطاب المنطقة، في عالم هم فيه في حاجة ماسة لهذا المشروع، سواء برسم القطب الواحد أو الأقطاب المتعددة في حال تشكل نظام دولي جديد، إن علاقة بين العرب وإيران ليست نافلة، بل هي استحقاق جيوستراتيجي لا مفر منه. وقد بات المشروع العربي حاجة تتأكد يوما بعد يوم، بعد أن تجاهل أهميته من يدفعون الثمن اليوم غاليا.

وأخيرا، فإن ما تفتحه هذه الحرب ليس فقط احتمالات إعادة رسم الخرائط، بل إعادة تعريف القواعد التي تُرسم بها الخرائط ذاتها. نحن أمام لحظة تأريخية تتفكك فيها البنى القديمة دون أن تتبلور بعد بدائل نهائية. وفي مثل هذه اللحظات، لا يكون الرهان على من يربح جولة بعينها، بل على من يمتلك القدرة على صياغة أفق استراتيجي قابل للاستمرار. وهنا تحديدا تتحدد قيمة “الفرصة العربية”: هل تظل مجرد إمكانية نظرية تتكرر في الخطاب، أم تتحول إلى مشروع تأريخي يعيد للمنطقة قدرتها على الفعل داخل عالم يتغير بسرعة غير مسبوقة؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى