اراء

 من غزة إلى لبنان.. فاطمة فتوني شهيدة الكلمة والحقيقة

بقلم: شرحبيل الغريب..

من روائع القدر أن هبة الشهادة تُمنح لمن هم أطهر من فينا، للخالدين المخلدين الأحياء عند ربهم يرزقون، من سيرهم عشقنا الشهادة وباتت هي ذلك الحلم الذي يراود مآقينا.

فاطمة فتوني… يا بنة الميدان والميادين وصوت الحقيقة، لم تكوني مجرد صحافية تنقل الخبر بل كنتِ الخبر حين صار للوجع صوت وللحق منبر وللأرض نبض يتكلم باسمها.

فاطمة فتوني كنتِ في الجنوب حيث ساحة المواجهة مع المحتل، تمشين نحو الخطر بثبات العارفين، وتكتبين حيث يعجز الحبر، وتروين الحكاية على شاشة الميادين كما هي بلا خوف ولا تردد ولا انحناء، كأنك تعرفين أن الحقيقة تستحق أن تقال ولو كلفت صاحبها العمر كله.

في غزة كما اليوم في جنوب لبنان، ولدت مدرسة كاملة في الصحافة المقاومة، مدرسة تعلمت كيف تحوّل الألم إلى شهادة والخوف إلى موقف، وعدسة الكاميرا إلى سلاح في وجه الرواية المزورة.

واليوم يتكرر المشهد في جنوب لبنان، حيث لم تعد الصحافة المقاومة بعيدة عن دائرة الاستهداف، كما كانت في غزة على مدار عامين من الحرب والإبادة، بل أصبحت في قلبها، الكاميرا ذاتها تلاحق والصوت ذاته يستهدف والحقيقة ذاتها يُراد لها أن تدفن، لكن الصحافيين كما كانوا في غزة، هم اليوم في لبنان كما عهدناهم، لا ينسحبون من الميدان، بل يزدادون التصاقاً به، كأنهم يدركون أن بقاءهم فيه هو بقاء الرواية والسردية نفسها حتى لو كان الثمن هو الروح.

وأنتِ يا فاطمة، يا من حلمتِ بتحرير فلسطين ووقفتِ على حدودها، وبالصلاة في المسجد الأقصى، تلتحقين بقافلة الشهداء، تمضين شهيدة على طريق القدس، كما أردتِ وكما يليق بروح لم تعرف إلا الانحياز للحق والحقيقة.

لم يكن رحيلكِ انطفاءً لصوت الحق، بل كان اكتمال حكاية كتبت فصولها بشجاعة وختمتِها بدم طاهر، صار شاهداً على التضحية والبطولة، لا يكذب أبداً.

تابعتكِ كثيراً منذ عودة الحرب الإسرائيلية على جنوب لبنان، كل إطلالة لكِ على الشاشة كانت نافذة مفتوحة على وجع لا يُروى إلا بصدقك، كنتِ تنقلين الألم كما نقله من قبلك الزملاء الصحافيون الشهداء في غزة، وتروين تفاصيل المعاناة كما سردوها حرفاً بحرف ودمعة بدمعة، وكنتِ كما كانوا تنقلين بطولات المقاومة الإسلامية كما نقلوا بطولات المقاومة الفلسطينية من قبل، لا بوصف بارد، بل بروح تعرف معنى الأرض حين تدافع عن نفسها برجال الرضوان والقسام، وتنحازين لمن يقفون في وجه العدوان من دون تردد.

أما أنا يا فاطمة فلي معك حكاية مختلفة، لم تكوني فقط اسماً على الشاشة ولا صوتاً في نشرة إخبارية، بل كنتِ صديقة وزميلة على مساحة صغيرة من هذا العالم الافتراضي في مواقع التواصل الاجتماعي، نتشارك الرأي فيما كنت تغردين وتكتبين في قضايا المنطقة، أما في هذه الحرب وأنا أتابع إطلالتك الإعلامية من الجنوب اللبناني، فكنتِ وجهاً مألوفاً واسماً يمر فنبتسم ونحن نعرف أن خلف هذا الاسم قلباً يذهب كل يوم إلى الخطر ويعود محمّلاً بحكايات الناس وآلامهم، ومعها بطولات المقاومة الإسلامية لرجال الرضوان في حزب الله.

في هذا المقام يا فاطمة لا أكتب مقالي الأسبوعي كما اعتدت حول موضوع سياسي كما العادة، بل أكتبكِ أنت، أكتب وجع الفقد، بل أكتب تلك المسافة المؤلمة بين أن نعرف الخبر التي كنتِ تنقلينه إلينا، وأن نعرف صاحبة الخبر، أكتب لأن الكلمات على قلّتها هي ما تبقى لنا أمام رحيل لا يحتمل.

فاطمة، يا زهرة الميادين كما رثاك زملاؤك في القناة، يا وجه الجنوب الصابر، يا من حملتِ الكاميرا والميكروفون كأنهما أمانة، والرسالة الإعلامية كأنها صلاة، كلنا نمضي اليوم على خطاكِ، نلتقط من دمك المعنى ومن رحيلك الثبات، ونوقن أن من يزرع الحقيقة لا يموت بل ينبت ألف صوت بعده.

نامي قريرة العين يا فاطمة، فالأرض التي أحببتِها في لبنان وفلسطين، وحلمتِ بتحريرها تحفظ اسمكِ، والسماء التي صعدتِ إليها تعرفكِ جيداً، وداعاً يا زهرة الميادين، يا من كتبتِ الحقيقة بدمكِ وتركتِ فينا ما يكفي لنكمل الطريق من دون أن نتردد أو ننكسر، نمضي على أثركِ وفي القلب يقين أن الغياب لا يطفئ من كانوا نوراً، بل يتركهم حاضرين فينا إلى الأبد .

وأخيراً، لكل شهداء الصحافة في غزة وجنوب لبنان أقول، أنتم الحكاية التي لا تنطفئ، والكلمة التي ستبقى تقاتل، والصورة التي ستفضح كل محتل وظالم ومطبّع في هذا العالم، على دربكم يمضي الوعي، وبدمكم تُكتب الحقيقة التي لا تموت.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى