“عائلة الحرب” قصص عن الرفض المطلق لدخول الجندية الصدامية

المراقب العراقي/ المحرر الثقافي…
يرى الناقد يوسف عبود جويعد، ان المجموعة القصصية “عائلة الحرب” للقاص صلاح زنكنة، تجمعها شخصية رافضة لواقع الحال، وسيقت مجبرة لتدخل الجندية الصدامية.
وقال جويعد في قراءة نقدية خصَّ بها “المراقب العراقي”: تنقسم المجموعة القصصية (عائلة الحرب) للقاص صلاح زنكنة، إلى محورين الأول باب الحرب، والثاني باب ما بعد الحرب، وهي نصوص خرجت من قالب المألوف إلى حيث التميز والتجديد، فقد اختار القاص نمطا جديدا لتناول أفكاره، فاستخدم الأجناس السردية، القصة القصيرة، والقصيرة جداً، مع تضمينها التجارب الذاتية المعاشة، ومسحة نظرة السخرية من واقع مرفوض، حيث قام بتقديم رؤية فلسفية عن الحرب وأدواتها.
وأضاف: ان هذه النصوص تكشف عن حالات هي أساسا عالقة في أذهاننا كأدوات حسية وواقعية في حياة الجندي, وفي براكين الحرب المدمرة, حتى أن كل من شارك في المعارك في الحروب يعي تماماً ما تعنيه هذه الأدوات إن صح التعبير, وكذلك الحال بالنسبة للجندي وحياة الجندية، وما تحويه هذه الحياة من محق ومسخ للشخصية، وكأنه آلة تسمع وتطبق, ولكي نكون أكثر وضوحاً علينا المرور على عناوين الأقاصيص, في باب الحرب نجد (جنودا, شهداءً, جنودا مشردين, قتلى منسيين, الملاجئ, القنابل, المدفعية الثقيلة, العرفاء, الجنرال, فنادق وخنادق, خوذاً وبساطيل, الكراجات, البغال, الثلوج, حب في تعتعة الحرب, على قيد الحرب) أما نصوص باب ما بعد الحرب فهي ( قصة الحرب, سأقتل الجنود, الرماة العشرة, سلام النايترون).
وتابع: إن “القاص من خلال تلك العناوين ينقلنا من حيث كنا إلى فلسفة الحرب من رؤية مختلفة, وزوايا قد تكون متناولة من صناع القصة, إلا أنها لم تكن بذات المضمون الذي سوف نكتشفه ونحن نرحل مع عالم صلاح زنكنة, إن الإهداء الذي نمر به قبل الولوج في عالم النصوص السردية, هو رؤية فلسفية عميقة للحرب, والجندية على حد سواء, إذ يقول فيه (إلى الشهيد صلاح زنكنة … أنا الذي فزَّ من الموت والتحق بالحياة!!) فكل الذين عاشوا تحت نيران وبراكين وموت الحرب المفزع المخيف, يعرفون جيداً أنهم لم يكونوا أحياءً, بل الخلاص من هذا الحديد المنصهر المتطاير أعجوبة, حياة قاسية جداً, وخالية من الرحمة حد البكاء, فلا مفر من الموت سوى الموت, ولم يعد هنالك متسع من الوقت بالتفكير في حياة البيت والعائلة, الحرمان يصل فيهم حد نخاع العظم, ووسط وحشة الحياة وانفجارات القنابل الثقيلة, لا يمكن أن يمر حلم شفاف لامرأة, انها أشبه بالصحراء القاحلة الجرداء, حياة خشنة, والموت يطارد الجميع”. ومن خلال هذا النص السردي تتضح لدينا أمور عدة, منها غرابة الطرح, وفلسفة حياة الحرب, والانعكاسات النفسية المدمرة لواقع حال الحرب.
وأوضح: أن الشخصية الرئيسية في البنية القصصية لجميع النصوص, هي شخصية رافضة لواقع الحال, وسيقت مجبرة لتدخل الجندية, ثم الحرب, ولكي يكون هذا الرفض معلناً ومطروحاً للملأ, نقلها بصيغة تدعو للسلام, برغم رائحة البارود, وصرخة الإدانة.
وواصل: نتوغل أكثر في عالم الحرب المدان في قصة (قتلى منسيون) حيث يأخذهم الموت من أحلامهم الصغيرة إلى حيث النسيان, وفي قصة (ملاجئ) يصف لنا الملاجئ وأهميتها, حيث أنها الملاذ الآمن للجندي في أتون الحرب, ونجد في قصة (القنابل) وحشية وقسوة هذا الحديد المنصهر المتطاير, ولكن برؤية فلسفية تدعونا لاحتضان الأمن والسلام, وكذلك في قصة (المدفعية الثقيلة), ونكون مع قصة (العرفاء) لنعرف ماذا يعني العريف من خلال عين وفكر ومفهوم الجندي, ومن زاوية أجاد صياغتها القاص, حيث أن العريف له دور كبير في تدريب وتهيأت الجندي, وكذلك داخل الحروب.
وأشار الى ان القاص يصف لنا حياة جنرال متقاعد في قصة (الجنرال), ونرى في قصة (فنادق وخنادق) لعبة التزاوج بين الخندق والفندق بين الحرب والسلام, بين النساء والبنادق والقنابل المنفلقة, ونرى صورة فلسفة الحرب في تجهيزات الجندي في قصة (الخوذة والبسطال) وأهميتهما في حياة الجندي, وفي قصة (الكراجات) نكون بطواف مع حياة الجندي وكذلك نعته بـ”ابي خليل” التسمية التي ظلت لصيقة به, وفي قصة (البغال) يؤكد القاص إنسانيته في ما قدمه البغل من مشاركة في الحروب, ولكن لطاقته وصبره حدوداً فإذا تجاوزت حدود تحمله فأنه يلقي بنفسه من سفوح الجبال لينتحر, وننتقل لصورة أخرى حيث قسوة الطقس التي لا تقل قسوة عن الحرب نجد ذلك في قصة (ثلوج), ونجد العلاقة العاطفية وطبيعتها داخل الحرب قصة (حب في تعتعة الحرب) وكما ان قصة (الرماة العشرة) التي هي ذات مضمون أنساني وقصة (سلام النايترون) وهكذا.
وختم: أن القاص صلاح زنكنة يقدم لنا أقاصيصه في (عائلة الحرب) وهي تضعنا في أتون الحرب مرتدين تجهيزات الجندي, وكذلك يقدم لنا رؤية فلسفية صادقة, وقد استطاع صياغتها لتكون مميزة, وتبقى حاضرة بين ما يقدم من قصص حديثة خرجت من قالب الرتابة والملل إلى حيث الحداثة والتجديد.



