بين الزلزال القدر وأسرار الخبر ..

بقلم / منهل عبد الأمير المرشدي ..
شهد العالم أجمع ما تعرضت له تركيا وسوريا من زلزال بدرجاته الثمانية والذي فاق كل ما مرَّ بالمعمورة من أقدار قبل مئة عام . مدن كاملة وقرى صارت في خبر كان . الجنوب التركي بالكامل صار حكاية حاضرة من المأساة وآياتٍ ودروسا وعبرا لمن يقرأ ويعقل ويبصر ولكن هل هناك من متعظ ؟ الشمال السوري والمأساة ذات المأساة والأوجاع تزداد أنينا والمشهد يتسع للرعب والكابوس حاضر في عيون من كانوا فوق الأرض كما هو قدر وحكاية وأسرار لا يعلمها إلا الله لمن هم تحت الأرض . أسبوع كامل مضى وأصوات الأنين وإيحاءات الأمل وفرحة الباحثين عن الحياة بصرخة آه أو همسة ألم أو تمتة لوجع امرأة كبيرة أو طفل لم يرَ من الحياة شيئا بعدُ . كلها تتلاشى وتلاشت . كلها تنقطع عن صدى السمع وانقطعت . كلها تسلّم أمرها لمن شاء وفعل وقدّر وأمر وسلمت وانتهت فماذا بعد . وهل هناك من يتعظ ؟ نعلم ونعرف وندري أن هناك الآلاف من الفقراء والمهجرين والمظلومين ممن سلم أمانته ومات تحت الأنقاض . نعلم وندري ونعرف أن هناك الكثير من المؤمنين والصالحين والأبرياء في ساحة الله وعباده ممن صارت بيوتهم قبورهم وباتوا أخبارا من زمن مضى . نعلم كل ذلك ونعلم ما هو أدهى وأمر . المثل الشعبي يقول ( الخير يخص والشر يعمّ ) وجاء في الكتاب الحكيم . (وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ) ذلك أمرٌ بين يدي الله وعلمه لا أدري إن كان جزاء من يسكت عن الظالم بحكم الظالم أو من يمشي مع الفاسد بحكم الفاسد والله أعلم ؟ ولكن ماذا بعد ..للزلزال صوت ودروس وعبر .. أنفة الإنسان وغروره وجبروت البعض وطغيان الطواغيت لا يمثل شيئا أمام جبروت الخالق وما تخفي الأقدار ويبقى الإنسان هزيلا ضعيفا عاجزا أمام قضاء الله وقدره وقد جاء في القرآن الكريم ( وَاللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا (27) يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا .) ولكن هل هناك من يتعظ ؟ . قدرة الله ومشيئته أن يخرج المنقذون أطفالا بعمر الشهور أحياءً بعد خمسة أيام قضوها تحت الأنقاض في عالم الظلمة .. سبحان الله العظيم . ولكن هل هناك من يتعظ ؟ الهابطون والسيئون والتافهون والفاسدون من أصحاب المحتوى الهابط والسيىء وأرباب الفساد ممن سرقوا أموال الشعوب وخانوا الأمانة ونكثوا العهد ولكن هل هناك من يتعظ ؟ أصحاب النفوس الفاجرة والقلوب المريضة والعقول المأزومة .. هل يعودون الى ذواتهم هل يتذكرون الله الذي نسيناه في أقوالنا وأعمالنا ومفردات حياتنا (وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ أُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ) ولكن هل هناك من يتعظ ؟ عالم النفاق والمنافقين من الطواغيت الذين هبّوا بالمساعدات وفرق الإنقاذ الى تركيا دون أن يكون للمتضررين في سوريا من ذكر ولا سهم في قوائم الإنسانية الزائفة ولكن هل هناك من يتعظ ؟ دول عربية صرفت على بطولة كرة القدم عشرات المليارات من الدولارات وأخرى اشترت لاعبا لإحدى نواديها بمئات الملايين من الدولارات لم ترسل دينارا واحدا لمساعدة الشعب السوري في هذه الكارثة .. وهل هناك من يتعظ ؟ إنسانية أمريكا وأوروبا وأعراب النجاسة والنفاق تتحرك حسب المزاج ومشيئة الشيطان . وهل هناك من يتعظ ؟؟ أخيرا وليس آخرا وفي الجانب الآخر مئات الشاحانات من أرتال الحشد الشعبي في العراق توجهت الى الأراضي السورية لتنقذ من تستطيع وتساعد من يحتاج في المؤونة والدواء والطعام ومثلها أرتال تحركت بتوديع معتمد المرجعية العليا الشيخ عبد المهدي الكربلائي من كربلاء ولكن لو قلبت وسائل إعلام الأعراب والأغراب لا ذكر لهم ولا هم يحزنون وهل هناك من يتعظ ؟ بقي أن أقول إن الزلزال مأساة بكل ما تعنيه الكلمة وكارثة هزت مشاعرنا وأبكت عيوننا وأحزنت قلوبنا ولا نملك إلا أن ندعوَ الله عز وجل أن يلطف بعباده ويرحم الأحياء والأموات برحمته التي وسعت كل شيء ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم . بسم الله الرحمن الرحيم . إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا (1) وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا (2) وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا (3) يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا (4) بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا (5) يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ (6) فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (8) . صدق الله العلي العظيم.



