المال والمحال بلا جدال

بقلم: منهل عبد الأمير المرشدي..
لست أدري حين أكتب المقال أين ترسو بي الكلمات.. هي فكرة ومضمون ومفردات.. لكن المواضيع مهما تغيّرت والساحة مهما اتسعت، وتعددت الأفكار وانتثرت , لكنها تبقى من وحي واقع نعيش شئنا أم أبينا . أعلنّا أم أخفينا , أحلام واُمنيات , آهات ومعاناة , أفراح وأتراح , فشل ونجاح , مهما تكن .. كلها وبكل ما فيها وما بين ثناياها ستغدو فصولا في حكاية إنسان ووطن. ذكريات, كل شيء سوف يغدو ذكريات, معادلة لابد منها . بالكينونة أو بالفطرة بين قضاء وقدر وصراع في خوالج النفس ومحطات للسفر. معادلة لا بد منها بين ما تعني العدالة ولا عدالة في عالم مؤطر بالظلم وسلطان الطواغيت وسطوة المال ولا شيء قبل المال في أقوام تعبد المال الذي يقلب المحال ولا محال بلا جدال , وبين ما يرشد الى الصحيح ولا صحيح إلا في قلب سقيم وجسد طريح وما أهل العدل وأهل الحق إلا ثلة من الأولين وقليل من الآخرين . لست أدري هل صار كل شيء رديئا في الزمن الرديء هو المقبول والمعقول في الوطن اللامعقول . لست أدري. أي سلطان حقير هو المال مهما كان دينارا أم دولارا أم درهما . يهيئ للفوضى ويؤسس للظلم ويقتل الحلم ويقصي العقول ويمزّق خارطة الأوطان ويفرش الأرض زهورا لأولاد الأدعياء وأرباب اللاشيء وأبناء العدم. يتوّج الخاسرين والفاشلين والفاسدين وأرباب الجهل وينحني لهم هيبة واحتراما ويحتقر النخب والكفاءات والأفذاذ وبحور العلم والمعرفة وذوي النفوس الأبية والذوات النقية . كل شيء ممكن ولا مستحيل ولا محال تحت سطوة المال. دولا وكيانات ومنظمات وأقواما وأفرادا إلا ما رحم ربي وما شاء. ورحم الله شاعرنا كاظم إسماعيل كاطع الذي قال.. (الحرامي يحلّف المبيوك .. والمبيوك يتعذر من الباكة) في كل مفاصل الحياة حتى في أنقى بنائها من الفن الى الأدب وحتى الرياضة . كم من خاسر يفوز وفائز يخسر وحكم المال هو الأعلى . للأسف الشديد حتى في ما يداعب شغاف القلب كان للمال خنجر يمزّق أحشاء الحب ويدمي قلوب العشق ليصلب العشّاق على أعواد الطمع الأعمى وأهواء النفس الأمارة بالسوء. كلها في بيداء الوطن الظامئ حتى الآه وقد بحث الحبيب عن الحبيبة منذ أن فتح عينيه حلم وأمنية وقافية ونبض فؤاد وما أن لقاها حتى جلس المغرم مع الحبيبة يتحدث ستين دقيقة لا غير . قال لها الكثير مما يعتمر الوجدان عن آهات الفراق .. استمع لها وسمع منها بلهفة ودمعة ولوعة وحب لكل ما تقول .. مفردة .. مفردة .. حرف وهمسة وتمتمة. وحين قررت الرحيل كما هم كل الأحبة هكذا بلا استئذان قدر مكتوب. فالتفتت اليه وسألته قبل أن ترحل . كم عمرك . قال لها ستون دقيقة .. وليس لنا غير العذر في زمن الزيف ولا حول ولا قوة لنا إلا بالله العلي العظيم لنحبوَ فوق جراحاتنا ونزف عذابتنا وحكمة قالها الحكيم , ميدانكم الأول أنفسكم. إن كنتم عليها قادرين فأنتم على غيرها أقدر. ونقول لهم خذوا كل شيء واتركوا لنا الوطن ولا شيء بعد الوطن.



