ما سر ثبات الدولة الإسلامية في إيران؟

بقلم/ محمود الهاشمي..
بعد نجاح الثورة الاسلامية في إيران عام 1979، اتفق جميع الكتاب والمحللين السياسيين ومراكز الفكر على أن (النظام الإسلامي) بإيران لن يقاوم سوى أشهر، بل من الاستحالة أن يمر عليه عام دون ان يهوي. هؤلاء جميعا بنوا آراءهم على (مسلمة) توارثتها الثقافة الغربية، بأن هناك ثوابت لبقاء النظام أو زواله، ومادام (النظام الإسلامي) لم تسبقه اليه تجربة إلا قبل 1500 عام، أذن فهو نظام (قديم) لا يصلح للزمن الحاضر مع تطور المدنية وما تم التوصّل اليه من علوم وتقنيات.
أيام الثورة الإسلامية بإيران، العالم يعيش نظامين إما (رأسمالي) متمثلا بأمريكا والغرب، وآخر (شيوعي) متمثلا بالاتحاد السوفيتي والصين ومن التحق بتجربتهم من الدول الاخرى.
كانت أمريكا تعتقد يومها بالإمكان الاستفادة من النظام الاسلامي بإيران لضرب الشيوعية (الملحدة) حسب تصنيفهم مثلما استفادت من الوهابية بضرب جيش الاتحاد السوفيتي بأفغانستان، لكن المفاجأة أن الهدف الاول للنظام الإسلامي بإيران هو (السفارة الأمريكية) واحتجاز موظفيها (الجواسيس) وتحويل مبنى السفارة الى سفارة لدولة فلسطين.
وإذا كانت الشيوعية قد اعتقدت يومها بأن النظام الإسلامي الإيراني سيكون حليفا لها باعتبار أن الجمهورية الإسلامية رفعت شعار (الموت لأمريكا) فأن رد الإمام الخميني (قدس) على رسالة رئيس الاتحاد السوفيتي (غورباتشوف) وضع النقاط على الحروف حين ورد فيها (أن الشيوعية ستذهب الى متحف التاريخ).
ليس هنالك من كان يعتقد أن الثورة الإسلامية ستواصل وجودها وهي تصطدم بالإرادات الدولية وتدخل في حرب مباشرة مع الجيش العراقي، وكذلك حجم التفجيرات والاغتيالات التي طالت كبار قادة الحزب الجمهوري وقادة الثورة، ناهيك عن حجم المعارضة بالداخل وبقايا النظام الشاهنشاهي.
ما هو غريب على العالم أن إيران أول دولة بالعالم تطلق على نفسها (الجمهورية الإسلامية) في وقت تتردد الدول الاسلامية جميعا، أن تمنح نفسها هذا الاسم، لان فيه مسؤوليتين، الاولى أن المجتمع الدولي لا يتقبل الإسلام مشروعا سياسيا، وثانيا أن من الواجب تطبيق الشريعة الإسلامية على مجتمع لم يألف ذلك من قبل.
المشكلة التي كنا نتوقعها هو بنية الدولة ودستورها، وأن يكون رجل الدين الذي ألفناه في صوامع المساجد والحسينيات قابعاً يكون على رأس السلطة ويتحمل مسؤولية ادارة الدولة والقرار.
نعم كنا قد طالعنا مؤلفات عديدة ولكبار الكتاب المسلمين من أن (الإسلام دين دولة، وانه يصلح لكل عصر وزمان) ولكن كنا نتوقع ان ذلك مجرد (تنظير) وأشبه بعوالم (رومانسية) برغم ان مؤلفات السيد محمد باقر الصدر (قدس) كانت غنية وثرية ومقنعة بإمكانية التطبيق.
استطاعت الثورة الاسلامية بإيران، أن تقاتل في الجبهات عسكريا، وأن تقاتل سياسيا واجتماعيا وعقائديا، وأن تبني وتعمر وتنشئ تجربة ونظاما لا يشبه أياً من التجارب الغربية والشرقية، وأن تؤسس لدولة متماسكة استطاعت أن تقف على قدمها يوم انهار الاتحاد السوفيتي، وانهارت الدول الملتحقة ويوم تفردت أمريكا بالعالم، وفرضت على إيران (1700) عقوبة وحصارا ظالما، وبدلا من أن تنحني إيران ازدادت ثباتاً، لأنها لم تقاتل خصومها بطريقة تقليدية مثل الشيوعية التي جرّدت الانسان من قيمه الروحية ومثل النظم الغربية التي حولت الإنسان إلى (سلعة)!.
أن صمود إيران بوجه التفرد الأمريكي يحتاج إلى دراسة لم تفرضها الصدفة، بل تفرضها الحقائق على الارض، وواحدة من اسبابها أنك تبني بناءً مادياً متطوراً ممزوجاً ببناء روحي يمنحه الحيوية وسر البقاء.
لا أحد يشك إن الثورة الإسلامية بإيران تعرضت إلى مخاطر وتحديات يومها كنا نتوقع انهيارها وصعوبة صمودها لكن مع تقدم الايام بتنا نرى (مشروع دولة)، وأن الاجيال التي تتوالد في حجر الثورة تكبر وتشارك في اعمار البلد.
لم تعطل (العمامة) مشروعا بقدر ما اضافت (طاقة) وحيوية وثقة بالنفس، والاستفادة من العقيدة الإسلامية والتاريخ الإسلامي في صناعة الإنسان والوطن. أن أفضل ما قامت به الجمهورية الإسلامية أنها تقاتل خصمها على ارضه، وميدانه، ولم تتقوقع على تجربتها مثل كوريا الشمالية، وذلك الذي طالبت أمريكا فيه الجمهورية الإسلامية بالتنازل عنه مقابل التوقيع على (الاتفاق النووي) وهو (العمق الاستراتيجي للثورة) والذي يسميه اذناب أمريكا بـ(تصدير الثورة).
بات ثابتا لدى قادة الثورة الإسلامية بإيران انه كل عشر سنوات تقع أحداث شغب بالدولة بأشكال مختلفة وتقف وراءها أمريكا والغرب ومعهم بعض دول الخليج، وسرعان ما تشتمل عليها الجماهير وتئدها في مكانها، خاصة وأن الجهات الامنية تعرف تفاصيلها قبل أن تحدث.
في تشرين الماضي ارادت أميركا أن تخضع قادة وشعب إيران إلى برنامجها بعد أن فرضت عليها مئات العقوبات، وبعد أن وجدت بإيران عناداً لم تألفه مع دول العالم الاخرى وخاصة في الملف النووي، فذهبت إلى خيار (الثورات الملونة) وهو خيار استخدمته أمريكا منذ بداية القرن الواحد وعشرين واستطاعت أن تغير انظمة وحكومات بأغلب الدول التي حدثت بها والتي تجاوزت (40) بلدا أو أكثر حيث تثير أعمال شغب بواسطة عناصر تستأجرهم بهذا البلد أو ذاك وتطلق لهم العنان، تحت غطاء اعلامي وايقونات ورمزية اللون لكل عملية.
جميع الدول الـ(40) التي اجتاحتها اعمال الشغب مازالت تعاني من ازمات وفوضى وديون وتدهور بالاقتصاد وهجرة اشبه بالانتحارية وسط البحار والمحيطات، ناهيك عن التشظي وتقسيم البلد، وخير دليل دول الربيع العربي وشرق أوروبا.
أن واحدة من مشاكل اعمال الشغب (الثورات الملونة) انها بدون قيادة ومعظم المتصدّين لها من الصبيان ذكورا واناثا، حيث تبدأ اعمال الحرق والتدمير واسقاط الحكومات، وحين تنتهي المهمة تختفي الاعمال وتظهر شخصيات جديدة معدة للمرحلة المقبلة وهكذا.
إيران كانت على علم بتفاصيل اعمال الشغب واسبابها ومخاطرها والجهات الراعية لها، لذا استطاعت بإسفنجية عالية أن تسيطر عليها، وأن مازالت لها بؤر تنفجر هنا وهناك، لكنها تحت السيطرة وسوف تتلاشى وتكون عامل قوة للبلد بدل اضعافه.
أمريكا الآن تعاني من ازمات داخلية فقد شهدت انقساما حادا بين الحزبين الرئيسيين (الديمقراطي والجمهوري) تحول أخيرا من سياسي إلى اجتماعي حيث الجمهوري يمثل الجنس الابيض فيما الديمقراطي يمثل جميع الملونين، وهو انقسام قديم بين أهل الشمال والجنوب ومع الازمة الاقتصادية بأمريكا وجائحة كورونا بدأ يتصاعد أكثر وقد ينتهي إلى (حرب أهلية).
هذه الازمات جعلت أميركا غير قادرة على تنفيذ مخططاتها يقابلها تماسك دولة بحجم إيران التي باتت ثقافة المواطن الإيراني بالكراهية للإدارات الأمريكية جزء من ثقافته اليومية. ردة الفعل الجماهيرية لدى الشعب الإيراني كانت فاعلة وقوية وتحولت إلى تظاهرات ومسيرات واحتجاجات بالضد من أعمال الشغب، والتظاهرات المليونية بـ(يوم مقارعة الاستكبار العالمي) هي الرد الحقيقي على المخططات الأمريكية. فالسر بقوة هذا البلد هو الايمان بالله الذي نستمد منه العون والنصر.



