المقاومة الشعبية والانسحاب الأمريكي

بقلم/ عبد الرحيم أحمد..
عندما يبدأ الإعلام الأمريكي الحديث عن جدوى بقاء القوات الأمريكية في سورية وضرورة سحب تلك القوات، فاعلم أن الوضع بات خطيراً على حياة الجنود الأمريكيين، وأن ثمة نقاشاً داخلياً حاداً قد بدأ حول هذه المسألة نتيجة عمليات المقاومة الشعبية والاستهدافات المتكررة لقوات الاحتلال الأمريكية وقواعدها العسكرية في سورية.
فالهجمات الصاروخية المتزايدة التي نفذتها المقاومة الشعبية ضد القواعد الأمريكية على مدار العام الجاري ولاسيما الهجوم الأخير الذي استهدف قاعدة عسكرية لقوات الاحتلال الأمريكي تحتوي مطاراً رئيساً في منطقة الرميلان شمال شرق سورية، شكلت ضربة قاسية للحالة النفسية للجنود الأمريكيين في القاعدة ولقادتهم العسكريين، وأثارت النقاش الجدي حول جدوى الوجود العسكري الأمريكي على الأرض السورية مقارنة بالمخاطر المتزايدة.
عادة ما تنكر القيادة العسكرية الأمريكية تعرّض قواعدها لهجمات في سورية تفادياً للضغط الشعبي الأمريكي، لكن هذه المرة لم تستطع إنكار الضربة الصاروخية الأخيرة التي على ما يبدو كانت دقيقة ومؤلمة بما يكفي لدرجة يصعب معها نفيها أو نكرانها، فاعترفت القيادة المركزية الأمريكية بالهجوم في بيان رسمي لكنها نفت أن يكون الهجوم قد تسبب بسقوط قتلى أو جرحى بين الجنود الأمريكيين.
البيان الأمريكي يستدعي إلى الذاكرة فوراً بيان وزارة الدفاع الأمريكية غداة الضربة الصاروخية الإيرانية الكبيرة التي استهدفت قاعدة عين الأسد الأمريكية في العراق عام 2020 رداً على اغتيال الشهيد قاسم سليماني، والذي أنكر في البداية وقوع ضحايا لتتوالى بعد ذلك البيانات الأمريكية والتسريبات عن عشرات الإصابات في صفوف القوات الأمريكية بين جرحى ومضطربين نفسياً.
لذلك يمكن الاستنتاج أن الضربة الصاروخية الأخيرة على القاعدة العسكرية الأمريكية في الرميلان وقبلها الكثير من الهجمات ضد القواعد العسكرية الأمريكية في التنف وفي محيط آبار النفط والغاز في الجزيرة السورية، حققت إصابات مباشرة وخلفت ضحايا وكانت مؤلمة، لدرجة أثارت النقاش من جديد داخل الدوائر الأمريكية وفي الصحافة حول جدوى بقاء القوات الأمريكية في سورية وضرورة سحب الجنود الأمريكيين الذين قيل أن وجودهم لحماية حلفائهم المسلحين الانفصاليين وحماية آبار النفط التي يسرقونها، لكنهم اليوم لم يعودوا قادرين على حماية أنفسهم ويتعرضون للخطر بشكل متزايد.
مجلة “فورين أفيرز” الأمريكية التي أثارت النقاش مجدداً حول القضية نشرت قبل أيام تقريراً مطولاً عن جدوى البقاء الأمريكي في سورية بعد الهجمات الأخيرة التي تعرّضت لها القوات الأمريكية، وخلصت المجلة إلى أنه مع كل يوم يمر تزداد المخاطر التي تتعرّض لها القوات الأمريكية مع ملاحظة ارتفاع وتيرة الهجمات ضدهم بنسبة 20% منذ بداية عام 2022، الأمر الذي يضعف الموقف التفاوضي لواشنطن فيما يتعلق بما يمكن الحصول عليه مقابل رحيل قواتها من سورية بحسب الصحيفة.
وعلى الرغم من أن المجلة حذّرت من أن انسحاب القوات الأمريكية من سورية بشكل عشوائي على غرار ما حصل في أفغانستان سيكون مُكلفاً سياسياً لواشنطن ويزيد من زعزعة الثقة الإقليمية بالتزام الولايات المتحدة تُجاه الشرق الأوسط، لكنها أكدت أنه بعد سبع سنوات من دخول القوات الأمريكية إلى الأراضي السورية فقد حان الوقت لسحب تلك القوات إذ لم يعد الوجود العسكري الأمريكي في سورية يشكل رصيداً استراتيجيًا لواشنطن بل أصبح نقطة ضعف.
إن عودة الحديث داخل الولايات المتحدة على المستويين الرسمي والإعلامي بضرورة الانسحاب من سورية يعود الفضل فيه إلى المقاومة الشعبية التي نفذت على مدى سنوات هجمات متنوعة ومتعددة ضد قواعد الاحتلال الأمريكي وقوافله والمسلحين المتحالفين معه وأوقعت إصابات مباشرة في صفوف الأمريكيين وعملائهم.
لقد أكدت سورية أن مصير الاحتلال إلى زوال، وأن المقاومة الشعبية ضد الاحتلال هي أمر طبيعي ومشروع في ظل انشغال الجيش العربي السوري بمحاربة الإرهاب على مساحات كبيرة من البلاد، لذلك من الطبيعي أن هذه المقاومة التي تحظى بدعم رسمي ستواصل عملياتها وهجماتها ضد قوات الاحتلال الأمريكي وقواعدها العسكرية وستكون أشد إيلاماً للمحتل في حال فكر في البقاء أكثر على الأرض السورية.
فهل يكون النقاش الأمريكي المستجد مقدمة لسحب القوات الأمريكية من سورية في وقت قريب؟ جرس نقرعه على مسامع من يراهن على بقاء المحتل ويرهن نفسه ومستقبله لهذا البقاء الذي لن يدوم.



