السيّد في “أبجدية النصر”: أربعون عاماً مع سوريا.. وسنبقى

بقلم/جو غانم..
ولعلّ مفردة “الوعي” التي استهلّ بها السيد حديثه عن سوريا في خطاب “أبجدية النصر” الأخير، وعن مشاركة الحزب في الدفاع عنها والقتال على أراضيها خلال الحرب المريرة الأخيرة، هي أهم ما يمكن أنْ يبدأ به المرء وينتهي إذا ما أراد شرح الحدث السوريّ الأهم في تاريخ المنطقة خلال العقد الأخير وتفنيده وتحليله.
كان العمل على “كَيّ الوعي” العربي هو السلاح الأمضى الذي استخدمته القوى الاستعمارية وأعوانها في المنطقة للولوج إلى هذا المشروع الخطر والمضيّ فيه نحو الهدف الأبعد، المتمثّل بتدمير سوريا وإخراجها من معادلة المقاومة والمواجهة في المنطقة، لحساب العدو الصهيوني وتمكينه في فلسطين وإنهاء القضية الفلسطينية إلى الأبد.
ويتذكّر الجميع كمية الضخّ الإعلامي الهائل الذي مورس على الشعب العربيّ من خلال وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعيّ، لتزييف الحقائق ونشر الأكاذيب وتمييع الشعارات وقلب المعاني الثوريّة والإنسانيّة السامية رأساً على عقب وتشويهها.
وقد وقعت شرائح واسعة من الشعب العربي ضحية هذه الحملة غير المسبوقة في التاريخ الحديث، حتى بات من الصعب إيضاح حقيقة واحدة، مهما كانت ناصعة وجليّة، وسط ذاك الكمّ المخيف من الأكاذيب والوعي المشوّه.
من هنا، كان استخدام مصطلح “أبجدية النّصر” عنواناً لهذا الخطاب المخصّص للحديث عن تاريخ المقاومة وإنجازاتها في ذكرى انطلاقتها الأربعين أمراً في غاية الدقة والذكاء والحكمة، لأنّ الأبجدية ذاتها كانت أحد ميادين المواجهة مع أعداء المقاومة في الحرب الأخيرة على سوريا وقوى المقاومة في المنطقة، والسيد أفضل من يدرك أنّ امتلاك ناصية اللغة والإعلام هو أوّل سبيل للفوز على جبهة الوعي الشعبيّ بعدالة قضايانا، وهزيمة آلة الحرب النفسية التي أراد المستعمر الانتصار بها حتى قبل أنْ يجرّب قوته في الميدان.
لقد أسهب السيد في حديثه الأخير عن علاقة المقاومة بالدولة السوريّة، ومشاركتها الدولة والجيش والشعب فيها معركة الدفاع عن وحدة سوريا وسلامة أراضيها ومستقبلها كدولة سيّدة مقاومة، وبادر إلى القول إنّ المقاومة في لبنان وقفت جنباً إلى جنب مع سوريا طوال 40 سنة، وأكّدت دائماً وحدة المسار والمصير مع سوريا، وهو الشعار الذي رفعه الرئيس الراحل حافظ الأسد منذ ثمانينيات القرن الماضي، وتبنّاه الرئيس بشار الأسد قولاً وفعلاً منذ سنة 2000 لدى استلامه دفّة الحكم في البلاد.
وقد دفعت سوريا الدولة والجيش والشعب، ومعها لبنان بمقاومته وجيشه وشعبه، أثماناً باهظة للحفاظ على هذا المعنى الذي يختزن مستقبل البلدين الشقيقين وموقعهما في المنطقة والعالم.
وعلى هذا الصعيد، تذكر السيد كيف كان الجيش العربيّ السوريّ يقاتل ويقدّم الشهداء والتضحيات إلى جانب المقاومين في لبنان أثناء الاحتياج الإسرائيلي عام 1982 وما بعده، ودور هذا الجيش في رفد فصائل المقاومة الوطنية والإسلامية في لبنان وتسليحها، وعلى رأسها حزب الله، طوال سني مقاومة الاحتلال الاسرائيليّ أجزاء من لبنان، ثم في جميع مراحل الصراع مع هذا العدو على الجبهات الجنوبية.
لكنّ الأهمّ والأبرز في كلام السيد نصر الله هو الحديث عن “وعي المقاومة” بأهداف الحرب الأخيرة على سوريا؛ فهنا تحديداً، يكمن كلّ شيء في صلب وحقيقة وأدوات المشروع الاستعماري الأخير الذي بدأ تحت شعار “الربيع العربيّ”، وانتهى عسكريّاً على جميع جبهات الأرض السورية المشتعلة بضربات الجيش العربي السوري والمقاومة الإسلامية اللبنانية وعموم قوى المقاومة المنضوية في محور المقاومة والمواجهة الذي يرفض الاستسلام للشروط الاستعماريّة، كما عبّر السيد حين تحدّث عن موقع الدولة السورية في هذا الصراع، لناحية كونها “ركناً أساسيّاً في محور المقاومة، وفي جبهة المقاومة، وفي جبهة الصمود ورفض الاستسلام للشروط الإسرائيلية”.
وذكر السيد نصر الله أنّ الوعي المتقدّم والمسؤول لدى المقاومة في لبنان، هو ما جعلها بمنأى عن الانخداع بالشعارات الكثيرة البرّاقة التي رُفعت في مستهلّ الحرب الكونية على سوريا، فالحديث عن أنّ “الشعب يريد”، وعن “الديمقراطيّة” و”العدالة الاجتماعية” و”النظام الذي يقتل شعبه”، وشعارات التفرقة الطائفية والمذهبيّة التي ملأت الفضاء العربيّ بلهجات التحريض والكراهية، أخذت الكثير من أبناء الشعب العربي إلى حيث يريد هذا المستعمر، كما أحرجت العديد من القوى العربية الحزبية والشعبيّة وجعلتها تقع في الفخّ المنصوب لنا جميعاً لمصلحة المحتل الإسرائيليّ، حتى بات العديد من تلك القوى والشرائح أدوات في مشروع إسرائيليّ ـ أميركيّ لتفتيت المنطقة تحت أسوأ الشعارات وأبهاها على السواء.
لم تقع المقاومة في هذا الفخّ، بل ذهبت للقتال في سوريا وهي واعية تماماً بالشعارات والأهداف، وحاولت قبلَ أن تمضي إلى ميادين القتال، ومن خلال شخص أمينها العام نفسه، أنْ تؤدي دور الوسيط الضنين على وعي الشعب العربيّ وقضاياه العادلة، وعلى وحدة الأمة والحفاظ على مقوّماتها وقدراتها وعدم تبديدها في الخلافات والتقاتل، حين أعلن السيد نصر الله مراراً وتكراراً في المراحل الأولى من الحدث السوريّ استعداد المقاومة للتوسّط بين الدولة السورية والمعارضة، واستعداد دمشق لتسهيل هذا العمل وإنجاحه تفادياً لمرور هذا المشروع الخطر والوصول إلى خواتيمه المدمّرة.
لكنّ القوى المقابلة كانت قد ذهبت بعيداً في هذا المشروع، ونحن في سوريا لا ننسى كيف ردّ من يُسمّى “الناطق الرسميّ باسم الجيش السوريّ الحرّ” على السيد نصر الله من خلال قناة تلفزيونية لبنانية، حين وعد اللبنانيين بالمجيء إلى لبنان بعد إسقاط النظام في سوريا “لتخليصهم من حزب الله والقضاء عليه”.
وإذ أكّد السيد نصر الله استمرار وقوف سوريا والمقاومة معاً والقتال كتفاً إلى كتف في هذا الصراع المرير مع المستعمر، بشّرنا صاحب الوعد الصادق بقرب حصاد ثمار كل تلك التضحيات التي قدّمها محور المقاومة في سوريا والمنطقة، وبصدق وصواب تلك المواقف المشرّفة التي سيكون لها الأثر الأكبر في بناء قوة هذه الأمة ومنعتها وانتصارها، وبأنّ مسارنا ومسيرنا المشترك لن يأخذنا إلا إلى نتيجة واحدة ومصير واحد، إلى حيث النصر والحرية والتحرّر، واحتلال أفضل الأمكنة تحت شمس هذا العالم.



