غرور اللاعبين

بقلم/ سمير السعد..
تحوّل غرور بعض اللاعبين إلى ظاهرة تستحق الدراسة أكثر من نتائج المباريات، بين حين وآخر يخرج علينا لاعب عبر قناة فضائية أو صحيفة أو وكالة إخبارية أو أحد المواقع الإلكترونية، يعلن بثقة لا تعرف الحدود أنه الأفضل في مركزه، وأن الملاعب العراقية لم تنجب مثله، وكأن تأريخ الكرة العراقية بدأ مع أول ظهور له وانتهى عند آخر تصريح أدلى به.
ثقافة كهذه غريبة عن المدرسة العراقية التي صنعت أسماء خالدة. يكفي أن نتذكّر عمو بابا، وشدراك يوسف، وعلي كاظم، وفلاح حسن، وكاظم وعل، ورعد حمودي، وفتاح نصيف، وحسين سعيد، وعادل خضير، وحسن فرحان، والمرحوم أحمد راضي وغيرهم كثيرون، وأعتذر عن عدم ذكر جميع الأسماء، فالقائمة طويلة وتستحق مجلداً كاملاً. أولئك النجوم صنعوا تأريخ الكرة العراقية بالعرق والإنجاز، وعندما كان أحدهم يُسأل عن أفضل لاعب في مركزه، كان يذكر أسماء زملائه ومنافسيه قبل أن يفكر في نفسه، تاركًا الحكم للجماهير وللتأريخ.
اليوم تبدّلت الصورة بصورة تثير الدهشة. سؤال واحد يكفي حتى ينطلق سيل من الأنا. “أنا الأفضل”، “لا أحد ينافسني”، “لا يوجد مثلي”، “أنا الأسطورة”، كلمات تتكرر كثيرًا، حتى خُيّل للبعض أن الموهبة تقاس بعدد التصريحات، وأن قيمة اللاعب ترتفع مع ارتفاع سقف المبالغة.
مَنْ منح صكوك التفوّق؟ ومن وضع معايير الأفضلية؟ هل تقاس بالأحاديث الإعلامية أم بعدد المباريات الحاسمة التي حُسمت؟ هل تُقاس بحجم التضحية أم بعدد الصور والمنشورات؟ الإنجاز الحقيقي يفرض نفسه دون ضجيج، أما الضجيج فيحتاج دائمًا إلى من يصفق له.
بعض المنصّات الإعلامية شاركت في صناعة هذه الحالة، فحوّلت أسماء عادية إلى أساطير ورقية، ونفخت في صورة لاعبين حتى صدّقوا أنهم فوق النقد، ثم أصبح أي رأي مخالف يُفسر على أنه إساءة شخصية. هكذا وُلدت نجومية من ورق، تلمع أمام الكاميرا وتتلاشى عند صفارة البداية.
الأفضل من يحافظ على سُمعة العراق داخل الملعب، والأفضل من يقاتل حتى الدقيقة الأخيرة، والأفضل من يعترف بأخطائه قبل أن يبحث عن المديح. قيمة اللاعب تظهر عندما يتحمّل المسؤولية، لا عندما يوزّع الألقاب على نفسه.
الجمهور العراقي لا يبحث عن لاعب يتحدث كثيرًا، وإنما عن لاعب يجعل العلم العراقي يرتفع في المحافل الدولية. الوطن أكبر من الأنا، والقميص الوطني لا يحتمل استعراضًا ولا استعلاءً، لأنه حمل تأريخ أجيال كتبت أمجادها بالفعل، تاركة للناس مهمّة الحكم.
خروج منتخبنا الوطني من كأس العالم 2026 كشف جانبًا مؤلمًا. أداء لم يقنع الشارع الرياضي، وصمت طويل غطّى المشهد، دون اعتذار واضح أو مراجعة صريحة أو وقفة مسؤولة مع الجماهير.
التأهل إلى المونديال تحوّل عند البعض إلى وسام دائم، وكأن المشاركة صنعت حصانة ضد النقد! الجيل الذي سبقهم ترك إرثاً من التواضع قبل البطولات، أما هذا الجيل فما زال مطالبًا بإثبات أن الإنجاز الحقيقي يبدأ من احترام الجماهير، وأن الغرور لا يرفع كأسًا، ولا يعوِّض خسارة، ولا يكتب تأريخًا يخلّدهُ العراقيون.



