الفوتوغرافي العالمي محمد ديجان مؤرخ الحزن العراقي

المراقب العراقي /ماجد حميد
لا يقف الفن عند حدود المحاكاة البصرية للعالم، بل هو في جوهره إعادة صناعة للحياة، ورسالة إنسانية بليغة وُجدتْ لتترك في وعينا أسئلةً نكون نحن أطرافاً في صياغة أجوبتها. في هذا الفضاء الجمالي الصاخب، تحضر تجربة المصور الفوتوغرافي العراقي البارز، محمد ديجان، لتشكل صوتاً احتجاجياً وإدانةً بصرية بوجه واقع قاسٍ، وصوتاً لمن لا صوت له وسط لهاثنا اليومي المحموم. إنها فوتوغرافيا لا تكتفي بـ “اللقطة”، بل تسعى لتحريك أحاسيسنا نحو إنسانيتنا المهددة، فالفن الذي لا يهزّ الوجدان لا قمة له.
محمد ديجان، خريج معهد الفنون الجميلة، ليس مجرد عابر يحمل كاميرا، بل هو أكاديمي وموثق ينتمي إلى أعرق المؤسسات الفنية؛ فهو عضو جمعية المصورين العراقيين، ونقابة الفنانين العراقيين، وجمعية الفنون التشكيلية. ومن هذا المنطلق المهني، اكتسب شهرة واسعة بوصفه مؤرخاً بصرياً يُعنى بتفاصيل الحياة اليومية والتراث البغدادي، متجولاً في أزقة مدينة “الثورة” وبغداد القديمة ليلتقط الجمال والتأريخ المخبأ في الشقوق والأماكن الصامتة.
لم يطلق ديجان خطابات مطولة أو كلمات مكتوبة عن مدن العراق بل تحدث عنها بعدسته التي ركزت على نقل الواقع الإنساني والاجتماعي القاسي داخلها.
ركزت عدسته على رصد حياة أصحاب الحرف البسيطة والفقراء، واشتهر بلقطاته الملحمية لأصحاب “عربات الشقاء والجوع”، محولاً معاناة دفع العربات وجرّ الخيول من أجل القوت اليومي إلى صرخة إنسانية لاقت صدى واسعاً لدى النقاد.
يرى ديجان في وجوه كبار السن والأطفال حكايات تختزل عقوداً من التعب والإهمال، لكنها تفيض بطيبة مفرطة وقدرة مذهلة على الصمود. مستغلاً لعبة الضوء والظل والإضاءة الطبيعية في الأزقة الضيقة، يُبرز تفاصيل التجاعيد والملامح المتعبة بصورة فنية مؤثرة تُحاكي اللوحات العالمية الشاهدة على العصر.
هذه الخصوصية الفريدة جعلت أعمال ديجان محط إشادة نقدية دولية؛ حيث كتبت عنه الناقدة العالمية “پولا فالين” مقالاً سلطت فيه الضوء على تجربته، واصفة إياه بأنه يسير “على خطى الفنان البرازيلي العالمي الشهير سيباستيانو سلغادو”، أحد رواد الفوتوغرافيا الإنسانية والتوثيقية في العالم. محلياً، حظيت أعماله بتحليلات معمقة ومديح من كبار النقاد العراقيين مثل (خليل الطيار) و(أميرة ناجي)، والذين أشادوا بقدرته الفائقة على تجسيد “محنة الأحزان” ممتزجة بـ “الصفاء الروحي”
وحمل ديجان اسم الفوتوغرافيا العراقية إلى المحافل الدولية بنجاح، عبر مشاركات متعددة تضامن فيها مع قضايا وطنه والإنسانية، ومنها: مشاركته في معرض للأمم المتحدة حول المصالحة الوطنية ونشر قيم التعايش وتضامنه مع آلام مجتمعه عبر معرض مشترك في موقع تفجير الكرادة الفاجع.وإقامة معرض شخصي في أستراليا (ولاية برسبن) ضمن أسبوع الصداقة العراقي الأسترالي.ومشاركته في معرض مشترك بـ السفارة العراقية في النرويج.
لا يُعبر عن الحب بالقصائد، بل يُترجم بصرياً من خلال ارتباطه الوجداني ببغداد. يرى ديجان أن الأماكن القديمة هي مخازن لقصص الحب المنسية؛ فحين يلتقط صورة لباب تراثي متهالك ومفتوح، يبدو -كما وصفه النقاد- “كأنه فمٌ يحكي عن حبٍ قديمٍ ونسيان، وعن رحيلٍ وعودة” الجدران المتشققة في كادراته ليست أنقاضاً، بل شواهد تروي حكايات الحب والحرب، والأمل المتشبث بقلوب البغداديين ،هذا الحب هو دافعه وشغفه اليومي للنزول إلى الشارع، واصطياد الجمال من وسط الركام لإعادة بناء جسر يربط الحاضر بالماضي..
ولأنه ابن الطين السومري العتيق، فإن صور محمد ديجان لا تُستهلك سريعاً ولا تنتهي بانتهاء العرض؛ بل تبقى عالقة في وعي المتلقي كأثر بصري هادئ، يُستعاد تلقائياً كلما مرّ الإنسان بجدار قديم، أو شارع صامت، أو وجه متعب يحمل في ملامحه حكاية عرافة لم تُروَ بعد..



