من جمالية النص إلى صراع الهويات

قاسم الغراوي
فأكرِمْ بها من لحيةٍ وعمامةٍ
لها ألف عامٍ عن حماكم تُناضلُ
رجالٌ بالاستشهاد صاروا أئمةً
مناصبهم يوم القتال المناضلُ
وما موته أمسى بداية ملكه
فذلك ملكٌ عهده متطاولُ
شبيه عليٍّ ظلَّ في صحن داره
وما زحزحته عن هواه القنابل.
لماذا يحتفي العرب برموز تحرر من قارات مختلفة، بينما يتحفظون على شخصيات معاصرة بسبب انتمائها القومي أو المذهبي؟
تكشف ردود الفعل العربية تجاه مرثية الشاعر تميم البرغوثي عن اغتيال السيد علي الخامنئي القائد الأعلى لجمهورية إيران الاسلامية بالعدوان الصهيو أمريكي عن ظاهرة تتجاوز حدود الأدب، لتلامس طبيعة تشكل المجال الثقافي العربي في ظل الاستقطاب السياسي والطائفي فبدلاً من أن يكون النص موضوعاً للتحليل الجمالي، أصبح مناسبة لإعادة إنتاج الانقسامات الأيديولوجية والهوياتية.
وللاسف الشديد أن الجدل الذي أثارته مرثية تميم البرغوثي لا يمثل أزمة في الشعر، بل أزمة في الثقافة العربية المعاصرة فالاستقطاب السياسي والطائفي أعاد تشكيل آليات التلقي بحيث أصبح النص يُقرأ من خلال هوية صاحبه أو موضوعه قبل أن يُقرأ بوصفه عملاً فنيأ.
إن الثقافة التي تعجز عن التمييز بين النص بوصفه موضوعاً للنقد والرمز بوصفه موضوعاً للخلاف السياسي هي ثقافة تُفرغ الأدب من وظيفته الحضارية وتحوله إلى ساحة أخرى من ساحات الاستقطاب.
أما المجتمعات التي تنضج ثقافياً فإنها تدرك أن الاختلاف مع الشخصية التأريخية لا يمنع من دراسة النص الذي كُتب عنها وفق معايير المعرفة، وأن قيمة الأدب تُقاس بقدرته على إنتاج المعنى لا بمدى توافقه مع الانتماءات المسبقة للمتلقي.
وقد تابعتُ الكثير ممن كتبوا عن هذه المرثية للبرغوثي الذين يتهمونه بمحاباته الشيعة الروافض الذين لايستحقون الرثاء أو المديح ،وكأنهم يشكلون خطورة على الدين الاسلامي ويصفهم البعض ( لحقدهم) بأنهم أكثر خطورة من الصهيونية التي انتهكت أراضي دول المسلمين وقتلت شعوبهم بينما دافع الشيعة ( الروافض ) عن فلسطين وعن بلادهم وقدموا التضحيات لأبرز القادة من أجل قيم الدين والانسانية والعدل.



