الحكومة أمام اختبار استعادة الأموال المهربة الى الخارج

في واحد من أكثر الملفات تعقيداً
المراقب العراقي/ أحمد سعدون..
رغم مرور أكثر من عقدين على تغيير النظام المقبور في العراق، ما يزال ملف الأموال المهربة إلى الخارج، واحداً من أكثر ملفات الفساد تعقيداً وإثارة للجدل، في ظل تقديرات تتحدث عن خروج مليارات الدولارات بطرق غير مشروعة، وتحول جزء كبير منها إلى عقارات واستثمارات وشركات وحسابات مصرفية في عدد من الدول، أبرزها تركيا والإمارات وبريطانيا والولايات المتحدة، فضلا عن دول أخرى، أصبحت وجهة لرؤوس الأموال العراقية التي يعتقد أنها نتجت عن عمليات فساد وهدر للمال العام.
وعلى امتداد الحكومات المتعاقبة، لم يخلُ أي برنامج حكومي أو خطاب رسمي من التعهد باسترداد الأموال المهربة وملاحقة المتورطين بقضايا الفساد داخل العراق وخارجه، إلا أن هذه الوعود غالباً ما كانت تتراجع تدريجيا بعد انتهاء الزخم الإعلامي، لتبقى الملفات معلقة دون نتائج ملموسة.
ويؤكد مختصون، أن العراق يمتلك أدوات قانونية ودبلوماسية يمكن أن تسهم في استعادة جانب من الأموال المنهوبة، مستندين إلى اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، إضافة إلى الاتفاقيات الثنائية مع عدد من الدول، فضلا عن إمكانية تفعيل مذكرات الإنتربول بحق المطلوبين الفارين، إلا أن هذه الإجراءات تتطلب إرادة سياسية حقيقية، وفريقاً قانونياً متخصصاً، وتحركاً دبلوماسياً مستمراً بعيداً عن ردود الأفعال المؤقتة.
وفي المقابل، يثير ظهور شخصيات عراقية مطلوبة للقضاء بتهم تتعلق بالفساد عبر وسائل إعلام عربية، أو مشاركتها في نشاطات اقتصادية وتجارية خارج العراق، تساؤلات بشأن أسباب تعثر ملاحقتها، خاصة وأن بعضها يعيش بصورة علنية ويمارس أعماله دون قيود، رغم صدور مذكرات قبض أو أحكام قضائية بحقها داخل العراق.
ويرى مراقبون، أن استمرار هذا المشهد يضعف ثقة الشارع بملف مكافحة الفساد، ويمنح انطباعاً بأن الإجراءات تقتصر على الاستعراض الإعلامي فقط، بينما تبقى ملفات الاسترداد الحقيقية بعيدة عن التنفيذ، وهو ما تكرر مع حكومات سابقة رفعت الشعارات ذاتها دون أن تحقق تقدماً ملموساً على أرض الواقع .
وأشاروا إلى أن استرداد الأموال لا يقتصر على إعادة المبالغ النقدية فقط، بل يشمل أيضا حصر العقارات والفنادق والشركات والأسهم والمشاريع التجارية والاستثمارات التي تم شراؤها بأموال يشتبه بأنها خرجت من العراق بطرق غير مشروعة، والعمل على تجميدها بالتنسيق مع الدول المعنية لحين حسم الدعاوى القضائية المتعلقة بها.
وشددوا على ضرورة إنشاء قاعدة بيانات متكاملة للأموال والأصول المهربة وتوحيد الجهود بين الجهات الرقابية والقضائية والدبلوماسية، مع الاستعانة بمكاتب قانونية دولية متخصصة في تعقب الأصول العابرة للحدود، وهي آلية اتبعتها العديد من الدول التي نجحت في استعادة جزء من أموالها المنهوبة.
ومن جانبه، أكد المختص بالشأن الاقتصادي عبد الحسن الشمري في حديث لـ”المراقب العراقي”، إن “ملف الأموال العراقية المهربة يمثل أحد أكبر الاختبارات أمام الحكومة الحالية، لأن المواطن لم يعد يقيم نجاح مكافحة الفساد بعدد أوامر القبض أو المؤتمرات الصحفية، بل بحجم الأموال التي تعود فعليا إلى خزينة الدولة وعدد المطلوبين الذين تتم إعادتهم إلى القضاء العراقي”.
وأضاف، أن “العراق بحاجة إلى تشكيل فريق وطني دائم يضم القضاء وهيأة النزاهة ووزارة الخارجية والبنك المركزي وخبراء دوليين، تكون مهمته حصر جميع الأصول والاستثمارات والعقارات العائدة للمطلوبين بقضايا الفساد في الخارج، والعمل على تجميدها واستردادها وفق الاتفاقيات الدولية”.
وتابع، ان “استمرار هذا الملف دون نتائج سيجعله امتداداً لما شهدته الحكومات السابقة من وعود لم تتحول إلى واقع، بينما استعادة هذه الأموال يمكن أن توفر موردا ماليا كبيرا يسهم في دعم الاقتصاد وتمويل المشاريع التنموية وتقليل الضغوط على الموازنة العامة في ظل تراجع إيراداتها المالية”.
ووفق هذه المؤشرات، يشدد المختصون على ضرورة تحريك الدعاوى القضائية الدولية، وتفعيل التعاون مع منظمة الإنتربول، وإبرام تفاهمات مباشرة مع الدول التي تستضيف الأموال والأصول العراقية، فضلا عن متابعة تنفيذ قرارات القضاء العراقي بصورة مستمرة، وعدم الاكتفاء بإصدار مذكرات القبض دون استكمال إجراءات الملاحقة الدولية.



