ماذا تريد الولايات المتحدة الأمريكية من سوريا؟

عادت واشنطن قبل أيام قليلة لتُحمِّل دمشق مسؤولية فقدان مواطنين أمريكيين دخلوا إلى الأراضي السورية بشكل غير شرعي، وهو اتهام واجهته دمشق ببيان شديد اللهجة، طالبت فيه الإدارة الأميركية بتنفيذ 5 بنود أساسية هي: “سحب قواتها العسكرية من الأراضي السورية، ورفع الغطاء والحماية عن الجماعات الانفصالية والجماعات الإرهابية المسلحة، والامتناع عن سرقة النفط والقمح السوري وتهريبهما، ووضع حد نهائي وغير مشروط للإجراءات القسرية الأحادية الجانب المفروضة من الإدارات الأمريكية المتعاقبة على الشعب السوري“.
3 عوامل رئيسية
قبل أسابيع قليلة، كان الباحث الاقتصادي الدكتور منير الحمش يحاول إجراء تحليل لبنية الاقتصاد السياسي للأزمة السورية. وكان من بين النقاط الرئيسية التي ناقشها في بحثه ما يتصل بالدور الأميركي في صناعة الأزمة السورية وتأجيجها.
وقد طرح في سياق ذلك سؤالاً جوهرياً يتردّد منذ نحو 7 عقود من الزمن، ومفاده: ماذا تريد الولايات المتحدة الأميركية من سوريا؟
الإجابة عن هذا السؤال، وإن كانت تشكّل انعكاساً لطبيعة العلاقات السياسية السائدة بين الدولتين، والمتباينة بين فترة زمنية وأخرى، فإنها في إطارها العام لا تخرج، في رأي الدكتور الحمش، عن محاولة دمج سوريا “في المشروع الأميركي (الشرق الأوسط الكبير)، بما في ذلك الالتحاق بالاقتصاد العالمي، وتطبيق جدول أعمال اقتصاد السوق، وإبعادها عن المشروع النهضوي العربي، ودفعها إلى نبذ القومية العربية، والسكوت عن احتلال الجولان، وتطبيع علاقاتها مع الكيان الصهيوني، ونسيان القضية الفلسطينية وما يتعلق بها“.
هذه العوامل هي:
– العامل الإسرائيلي: يمكن الاستدلال على حجم تأثير هذا العامل من خلال استعراض بعض الأمثلة، كالتحول الذي طرأ على العلاقات الأميركية المصرية في أعقاب توقيع اتفاقية كامب ديفيد قبل نحو 4 عقود من الزمن، وكذلك الأمر بالنسبة إلى السودان، الذي لم يجد قبل نحو عامين مدخلاً لإزالة اسمه من لائحة العقوبات الأميركية سوى ركوب قطار التطبيع مع الكيان الصهيوني.
– العامل الإقليميّ وتحالفاته: الولايات المتحدة الأميركيّة، إلى جانب هدفها في توسيع دائرة المطبعين العرب مع “إسرائيل”، تحاول، وبسبل شتى، تفكيك أيّ تحالف إقليمي في المنطقة، أياً كانت غايته، بما في ذلك مؤسسة الجامعة العربية، ترسيخاً لنفوذها وضماناً لمستقبل “إسرائيل” وأمنها. لهذا، إن واشنطن تريد صراحة من دمشق أن تبتعد عن طهران وحركات المقاومة، وقدمت لذلك مقترحات واضحة مع بدايات الأزمة السورية.
– العامل الاقتصادي: على الرغم من أن سوريا ليست دولة منتجة للنفط بكميات مؤثرة، كما هي حال دول الخليج، فإنَّها قادرة، بسبب موقعها الجغرافي، على أداء دور مساند أو معرقل للخطط والمشروعات الاقتصادية الأميركية.
هذا ما أكّدته مجدداً الحرب الأوكرانية، سواء بالنسبة إلى خطوط نقل الطاقة بين الشرق والغرب، والتي كان يمكنها كسر عملية الاحتكار الطاقي الروسي، أو لجهة إكمال الحصار الغربي على روسيا.
إن سوريا ليست الدولة الوحيدة التي يمنحها موقعها الجغرافي قيمة مضافة على صعيد العلاقات الدولية، فهناك دول أخرى مشابهة، وهي بمجموعها بمنزلة سلسلة مهمة تشكل سوريا إحدى حلقاتها الأساسية.
من مصلحة واشنطن، وإن لم توقّع دمشق مباشرة اتفاق تطبيع مع “إسرائيل”، أن تبعدها قدر المستطاع عن محور طهران وموسكو. في المقابل، إن دمشق حريصة على استعادة حقول نفطها الرئيسية ورفع العقوبات الغربية عن اقتصادها، إنما ذلك يبدو مؤجلاً للأسباب التالية:
– الرغبة الأميركية في استنزاف دمشق سياسياً واقتصادياً إلى أبعد حدّ ممكن. هذا الأمر يمكن استنتاجه بسهولة من خلال تتبع الموقف الأميركي من الحكومة السورية منذ عام 2011.
– تمسك دمشق بتحالفها الاستراتيجي مع إيران وروسيا اللتين ساندتاها في حربها ضد المجموعات والفصائل المسلحة المدعومة غربياً من جهة، وعدم ثقتها بالولايات المتحدة التي تخلَّت عن أنظمة عربية عديدة كانت تدعمها فيما مضى من جهة ثانية. ومن الطبيعي أن تتشدّد دمشق اليوم أكثر في موقفها من العلاقة مع واشنطن، بعد أن تمكّنت من تجاوز مرحلة الحرب الصعبة.
– رفض “إسرائيل” أي تحرك من هذا النوع ما لم تعلن دمشق إنهاء حالة العداء لها؛ فما كان مقبولاً قبل عام 2011 لم يعد كذلك اليوم. اليوم، لدى “تل أبيب” علاقات رسمية مباشرة مع 8 دول عربية، وأقل من ذلك بعلاقات غير مباشرة. وتالياً، فهي غير مضطرة إلى قبول صفقات ما مقابل التطبيع مع سوريا، ما دامت أبواب الدول العربية تفتح أمامها من دون أي ثمن.
– عدم وجود دولة قادرة على رعاية حوار بهذا المستوى، وخصوصاً لجهة كسبها ثقة الطرفين، كما حدث بعيد اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري. آنذاك، أدت روسيا وتركيا والسعودية دوراً رئيسياً في التوصّل إلى اتفاق لاستجواب بعض الضباط السوريين، مقابل حصول دمشق على ضمانات بعدم اعتقالهم، لكن العلاقات الروسية –الأميركية حالياً متدهورة على خلفية توسع حلف الناتو والحرب الأوكرانية، وسوريا في قطيعة سياسية تامة مع كل من أنقرة والرياض. والسؤال: ما الدولة المؤهلة للقيام بدور الوساطة؟
– استمرار تحريض بعض دول الإقليم على حكومة دمشق، وفي مقدمتها قطر. مثل هذا التحريض، وإن كان لا قيمة له عند وجود قرار أميركي بالحوار مع دمشق، يمكن أن يؤثّر بشكل ما في المسار الزمني لهذا الحوار وأولوياته، وخصوصاً إذا ما كانت هناك مصالح متضاربة للولايات المتحدة مع هذه الدول، لكن اعتدنا في هذه المنطقة أن ما تريده واشنطن يجد طريقه للتنفيذ من معظم الدول.



