العصر الحجري الإيراني المزعوم في مواجهة ” ترامب” الهمجي

بقلم: محمد هلسة..
أثار تصريح الرئيس الأمريكي ترامب، بإعادة إيران إلى العصر الحجري، كعادة تهديداته الشبيهة الجوفاء، سيلاً من الردود والتفاعلات الإيرانية والعالمية الساخرة؛ كان أبلغها ردّ السفارة الإيرانية في جنوب أفريقيا التي كتبت مُخاطِبةً ترامب: “في العصر الحجري كنتم لا تزالون في الكهوف تبحثون عن النار وكنا نحن ننقش حقوق الإنسان على أسطوانة كورش“.
اللافت أيضاً، أنّ صيغة التهديد هذه، هي ذاتها التي يكرّرها حلفاء ترامب في “إسرائيل” تجاه حزب الله ولبنان منذ سنوات في إطار الحرب المفتوحة، التي ما زالت دائرة بين الطرفين حتى الآن؛ فلا لبنان عاد إلى العصر الحجري، ولا سقط الحزب أو سِلاحه! .
ولو أننا افترضنا جدلاً، أنّ نيّات ترامب الحالية “جادة”، خاصة بعد أن بدأ باستهداف الجسور، مُعتبراً أنّ هنالك المزيد ليأتي ما لم تُوقّع إيران معه اتفاقاً يُنهي الحرب باستسلامها للشروط الإسرائيلية – الأمريكية، فإنّ تهديد ترامب “بإعادة إيران إلى العصر الحجري” يعكس إحباطاً مُتزايداً أكثر منه شعوراً بالثقة والقدرة الفعلية لتنفيذ هذا التهديد. فبعد أكثر من خمسة أسابيع على بدء الحرب التي لم يتحقّق أيٌ من أهدافها المُعلنة بعد، تعلّمت إيران جيداً كيفيّة التعامل مع الأضرار والأوضاع الصعبة التي خلقتها الحرب، حتى في ظروف البُنية التحتية المُدمّرة. كما أنه وفقاً لتقديرات أوساط أميركية وإسرائيلية، فإنّ هذا التهديد لن يفُتَّ في عَضُدِ إيران ولن يمنعها من رفع مستوى التحدّي وتوسيع الصراع مع “إسرائيل” والولايات المتحدة فحسب، بل سيعزّز مكانتها كقوة إقليمية مؤثّرة تمكّنت من الصمود وترسيخ مبدأ الاستنزاف المادي والبشري الذي تتكلّفه الولايات المتحدة و”إسرائيل” يومياً.
تُدرك إيران أنّ ترامب “المأزوم”، يخوض حرباً نفسية ضدّها، في محاولة للجمع بين التهديدات والهجمات العسكرية بهدف الوصول إلى تسوية مُرضية مع طهران، خاصةً في ظلّ تصريحات وأفعال قادتها التي تشير إلى تنامي “الثقة بالنفس” في القدرة على الصمود والنِّدّية وإلحاق الأذى الشديد بـالولايات المتحدة وأهدافها وأطماعها، وربما هزيمتها، إن تطوّرت المعركة إلى مواجهة برية.
والواقع أنّ العين لا يمكن أن تُخطئ المقدرة على الصمود والنِّدية اللذين تُظهرهما إيران خاصة بعد مضي أكثر من خمسة أسابيع على بداية هذه الحرب، التي كانت الولايات المتحدة و”إسرائيل” تتوقّعان منها نصراً خاطفاً سريعاً.
ويبدو أنّ سماء إيران اليوم، التي قيل إنها تحت السيطرة الجوية الإسرائيلية – الأميركية المطلقة، تتحرّر من هيمنة التكنولوجيا الأميركية وتُسقط طائراتها الحربية الواحدة تلو الأخرى، حيث تُشير تقديرات إسرائيلية نقلتها إذاعة “جيش” الاحتلال إلى “أنّ نحو 20% من منظومة صواريخ أرض – جو الإيرانية لا تزال تعمل“.
فيما قال ضابط كبير في سلاح الجو الإسرائيلي “إننا نعمل في أجواء إيران تحت خطر كبير، ومع أنّ منظومة صواريخ أرض – جو لدى الإيرانيين مُلاحقة إلا أنها لا تزال موجودة، وهناك مخاطر كثيرة ونحن في سباق تعلّم كبير مع الإيرانيين” مضيفاً أنّ الإيرانيين “يطلقون علينا النار طوال الوقت، ونحن نأخذ بالحسبان احتمال إصابة طائراتنا في الكمائن التي ينصبها الإيرانيون، وعلينا أن نتعلّم أساليبهم“.
تنظر “إسرائيل” والولايات المتحدة إلى إيران بوصفها رأس حربة “محور المقاومة”، الذي يسعى لخلق واقع تتحقّق فيه “وحدة الساحات” في ظروف المواجهة المباشرة مع “إسرائيل”، وهي التي ثبَّتتِ اليوم معادلة “التحرّك المتكامل متعدّد الجبهات” بعد أن دخل حلفاء إيران في لبنان والعراق واليمن على خط المواجهة وحرب الإسناد معها ضدّ “إسرائيل” والولايات المتحدة.
ومن أجل التعامل مع هذا التصعيد، تعمل إيران وفقاً لثلاثة مبادئ: الأول هو “ردّ الفعل”، أي أنّ أيّ فعل عسكري تقوم به يأتي رداً على سلوك الطرف المُعتدي. والثاني هو “التناسب”، فالثمن الذي تجبيه من الولايات المتحدة و”إسرائيل” يتناسب مع نتائج أفعالهما، خاصة بعد أن بدأ الطرفان بتوسيع دائرة الاستهداف لتطال مراكز الطاقة والبنى التحتية الاقتصادية المدنية. والثالث، هو “الوضوح” الذي سعت إيران من خلاله، عبر الكشف عن بنك أهدافها سلفاً، لتثبيت واقعٍ يمنع المعتدين من التصعيد والاعتداء.
إنّ ميزان الردع الذي أنتجته هذه الحرب بين إيران من جهة و”إسرائيل” والولايات المتحدة من الجهة الأخرى، هو نتيجة إصرار إيران اليوم، أكثر من أيّ وقت مضى، واستعدادها وثقتها في مكامن قوتها وقدرتها على إحداث إضرار استراتيجي بـالولايات المتحدة وبمصالحها ونفوذها وهيبتها، بل وبصورة زعيمها “المتعجرف” ووضعه في مأزق استراتيجي لخّصته صحيفة “هآرتس” العبرية بالقول: يبدو أنّ ترامب يخشى أن تفرض إيران اتفاقاً عليه أكثر من سعيه لفرض اتفاق عليها”، مما دفعه إلى التهديد بإعادتها إلى العصر الحجري.



